السويداء بعد عام من الأحداث: تداعيات أمنية وسياسية وخدمية معقدة وآفاق غامضة للمستقبل


هذا الخبر بعنوان "عام بعد الأحداث" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور عام على أحداث تموز 2025، لا تزال محافظة السويداء تواجه تداعيات أزمة تجاوزت حدود المواجهات الأمنية لتشمل المشهد السياسي، الواقع الخدمي، ومسار العدالة والمحاسبة. وعلى الرغم من تراجع حدة الاشتباكات واستعادة بعض المؤسسات والخدمات لجزء من نشاطها، إلا أن آثار النزوح، ضعف البنية التحتية، تعدد مراكز النفوذ، واستمرار أزمة الثقة، لا تزال تشكل تحديات حاضرة في المحافظة. خلال العام الماضي، طُرحت مبادرات سياسية وشُكلت هيئات محلية وأُطلقت لجنة تحقيق وطنية، إلا أن مسارات الحل والتعافي واجهت تعقيدات داخلية وتشابكات إقليمية، وسط جدل مستمر حول مستقبل المحافظة وآليات استعادة الاستقرار. يتناول هذا الملف واقع السويداء بعد عام من الأحداث عبر ثلاثة محاور رئيسة: التحولات السياسية والأمنية، مسار العدالة والمحاسبة، وواقع الخدمات والمعيشة.
لم تعد أزمة السويداء مجرد ملف أمني، بل تحولت إلى قضية معقدة في المشهد السوري. رغم تراجع حدة المواجهات، بقيت جذور الأزمة قائمة، مع استمرار أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، وتعدد مراكز القرار، وانتشار السلاح، وتباطؤ الحلول السياسية، بالإضافة إلى تأثير الأطراف الإقليمية والدولية. طُرحت مبادرات عدة، أبرزها خارطة الطريق برعاية سورية-أردنية-أمريكية، وشُكلت مجالس وهيئات محلية، لكنها لم تنجح في إنهاء حالة الجمود، مما أبقى السويداء أمام مشهد يتداخل فيه السياسي بالأمني والاجتماعي.
بدأت أحداث السويداء في 12 تموز 2025 باشتباكات متبادلة تطورت بعد عمليات خطف. تدخلت الحكومة السورية في 14 تموز، لكن تدخلها ترافق مع انتهاكات بحق مدنيين، مما دفع فصائل محلية للرد. في 16 تموز، خرجت القوات الحكومية بعد تعرضها لضربات إسرائيلية، أعقبها انتهاكات بحق سكان البدو، مما استدعى إرسال أرتال عسكرية نصرة لهم.
غيّرت أحداث تموز طبيعة الأزمة في السويداء، ونقلتها من احتجاجات محلية إلى أزمة سياسية تتجاوز حدود المحافظة. يرى الخبراء أن السويداء أصبحت تمثل “عقدة سياسية مركبة” تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، وتشمل أزمة ثقة، وأزمة تمثيل محلي، وانتشار السلاح، وتدخلات خارجية. اختزال المشهد في مواجهة بين الدولة ومجموعات خارجة عليها لا يعكس الواقع، إذ تتداخل فيه قوى محلية مسلحة بنت روايتها الخاصة، في مقابل سلطة مركزية لم تستطع إنتاج خطاب سياسي جامع، وأطراف خارجية تريد استخدام ما يجري كورقة تفاوض إقليمية. يرى آخرون أن المحافظة دخلت في حالة من العزلة السياسية، وأصبحت رهينة لسلطة أمر واقع عطلت فرص التفاهم مع دمشق. كما كشفت الأحداث حجم الفراغ السياسي والمؤسساتي، وهشاشة العلاقة بين المجتمع والدولة.
رغم انخفاض مستوى التصعيد، لا تزال الاشتباكات المتفرقة بين الأمن الداخلي و”الحرس الوطني” تتكرر، معبرة عن تنازع على شرعية السلاح والسيادة. تتمسك الدولة بحقها في احتكار القوة، بينما تقدم القوى المحلية نفسها كحامية للمجتمع. هذا الصدام يتجاوز طبيعته العسكرية ليعكس خلافًا حول طبيعة السلطة ومن يمتلك السيادة. يرى البعض أن الأزمة دخلت مرحلة “التجميد” مع استمرار القطيعة بين دمشق وسلطة الأمر الواقع في السويداء.
في ظل غياب رؤية حكومية واضحة، برز تشكيل مجالس وهيئات محلية حاولت إدارة بعض الملفات. يعكس تشكيل هذه المجالس محاولة لملء الفراغ السياسي والإداري، لكنه يحمل خطر غياب خطاب حكومي يوضح الرؤية لمستقبل المحافظة. يميز البعض بين العمل الأهلي والعمل السياسي، معتبرين أن تنظيم المجتمع عبر تجمعات مدنية أمر طبيعي وضروري. لكنهم ينتقدون محاولات فرض هيئات تحتكر القرار وتمثل أجندات محددة، مما يجعلها أقرب إلى أدوات لاحتواء المجتمع وفرض القرار عليه. يرى آخرون أن تراجع فاعلية المجتمع المدني يعود لسيطرة سلطة الأمر الواقع، وتغليب المصالح الشخصية والطموحات السياسية.
بعد عام، لم تقترب الأزمة من تسوية سياسية رغم تدخل أطراف دولية. خارطة الطريق برعاية أردنية وأمريكية نصت على إجراءات عاجلة، منها دعوة الحكومة السورية للجنة تحقيق دولية، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، واستمرار إدخال المساعدات، ونشر قوات شرطية لتأمين حركة المواطنين والتجارة. لكنها لم تنجح في إحداث اختراق حقيقي. يعزو الخبراء تعثر الحل الدولي إلى تباين أولويات القوى الخارجية، وعجز الحكومة السورية عن إطلاق مبادرة سياسية قادرة على استعادة الثقة. افتقرت الخارطة إلى ضمانات تنفيذية وآليات رقابة، واصطدمت بانعدام الثقة والتدخلات الخارجية. يرى آخرون أن ملف الجنوب السوري خرج من الإطار السوري وأصبح جزءًا من تفاهمات إقليمية أوسع، مما أدى إلى تجميد الوضع الراهن.
يلعب الدور الإسرائيلي دورًا مؤثرًا في استمرار الأزمة، خاصة أن تل أبيب تدخلت عسكريًا بذريعة حماية الدروز. ترى إسرائيل السويداء كورقة ضغط إقليمية، مستخدمة شعار حماية الدروز لإبقاء الجنوب السوري في حالة هشاشة ومنع تشكل سلطة سورية قوية على مقربة من حدودها. يذهب البعض إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن التدخل الإسرائيلي يرتبط بتحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد عملية “طوفان الأقصى”، وسعي إسرائيل لتوسيع المناطق العازلة في جنوبي سوريا. يحذرون من أن التعويل على الحماية الخارجية يبقى رهنًا بتبدل المصالح الدولية. يعتبر آخرون أن إسرائيل تستخدم بعض الأصوات والشعارات المرتبطة بحماية الدروز لخدمة أهدافها في إضعاف النسيج الاجتماعي السوري.
غيّرت أحداث تموز 2025 ملامح الحياة اليومية في السويداء، بعدما خلّفت أضرارًا واسعة في البنية التحتية وأدت إلى موجة نزوح كبيرة. رغم تحسن بعض الخدمات مقارنة بالأشهر الأولى، إلا أن التعافي بقي جزئيًا، ولا تزال آثار النزوح وضعف البنية التحتية والأزمة المعيشية حاضرة.
كان قطاع المياه الأكثر تضررًا، بعد خروج عشرات الآبار عن الخدمة، بما فيها تجمع آبار الثعلة. تعرضت المحطة الرئيسة في الثعلة للحرق والتخريب، وخرج 98 بئرًا عن الخدمة، مما أدى إلى انهيار منظومة الضخ. رغم جهود الهلال الأحمر ومنظمات محلية لتشغيل الآبار بالطاقة الشمسية، بقيت الأزمة مستمرة، إذ عاد أقل من نصف الآبار المغذية للمدينة إلى العمل.
تعرض قطاع الكهرباء لأضرار واسعة. خلال الفترة التي تلت الأحداث، لم تتجاوز التغذية الكهربائية ساعتين يوميًا. رغم تحسن التغذية مقارنة بفترة الحصار، لا تزال ساعات التقنين الطويلة تؤثر في الحياة اليومية للسكان.
احتجت السويداء إلى نحو 120 طنًا من الطحين يوميًا، لكن الكميات الواصلة كانت أقل بكثير. اعتمدت المحافظة على الطحين المقدم من برنامج الأغذية العالمي، لكن الأزمة تجددت مع انتهاء عقد البرنامج. مع بدء إدخال الطحين عبر القنوات الحكومية وتنظيم التوزيع محليًا، تحسن توفر المادة في معظم الأحياء.
عاشت السويداء عزلة شبه كاملة إثر إغلاق طريق دمشق- السويداء وتوقف الحركة التجارية، ما تسبب بنقص حاد في المواد الغذائية والدوائية والمحروقات وارتفاع أسعارها. مع إعادة فتح الطريق تدريجيًا، عادت الأسواق لاستقبال المواد الأساسية. إلا أن فتح الطرق لم ينهِ الأزمة المعيشية، بل نقلها من مرحلة نقص المواد إلى مرحلة ارتفاع الأسعار.
كان النزوح من أقسى نتائج أحداث تموز، إذ اضطر أكثر من 170 ألف شخص إلى مغادرة مناطقهم. اتجهت أغلبية العائلات نحو مدينة السويداء وشهبا وصلخد. لا تزال 1212 عائلة تقيم في 75 مركزًا موزعة بين المدينة وريفها. تقلصت المساعدات تدريجيًا، وتشكل مستلزمات الطبخ والغاز والمواد الصحية عبئًا إضافيًا.
أدى انتقال آلاف العائلات إلى مدينة السويداء إلى ضغط كبير على سوق العقارات. ارتفعت الإيجارات إلى مستويات قياسية، واشتكى مستأجرون من طلب دفعات مسبقة وتأمينات مرتفعة.
امتدت تداعيات الأحداث إلى مصادر الدخل، إذ أدى تعطل المؤسسات المالية والصرافات الآلية إلى حرمان كثير من الموظفين والمتقاعدين من رواتبهم. خلال العام الحالي، ظهرت مؤشرات انفراج تدريجي مع استئناف صرف رواتب عدد من العاملين في المؤسسات العامة.
استعادت الأسواق جزءًا كبيرًا من نشاطها، وعادت معظم السلع الأساسية إلى الرفوف. لكن المشكلة لم تعد مرتبطة بتوفر المواد بقدر ما أصبحت مرتبطة بضعف القدرة الشرائية وندرة السيولة. الخضار والمواد الغذائية متوفرة، لكن شراءها يتطلب حسابات دقيقة، فيما أصبحت اللحوم غائبة عن موائد كثير من الأسر.
كان قطاع التعليم من أكثر القطاعات تأثرًا بالأحداث، إذ توقفت العملية التعليمية لأسابيع وتحولت بعض المدارس إلى مراكز إيواء. كان طلاب الشهادة الثانوية الأكثر تضررًا. أثار قرار نقل المراكز الامتحانية الخاصة بطلاب السويداء إلى دمشق وريفها موجة اعتراض محلية.
أفاد المكتب الإعلامي في محافظة السويداء بأن الحكومة السورية تبذل جهودًا لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الواقع الخدمي. أرجعت المحافظة أبرز أسباب تعثر عودة الخدمات إلى عدم الاستقرار الأمني في بعض المناطق، نتيجة وجود مجموعات وصفتها بـ”الخارجة عن القانون”. نفت المحافظة وجود أي عرقلة لدخول المواد التموينية والمحروقات والطحين إلى السويداء.
تتقاطع آراء الخبراء في أن استمرار الوضع الراهن لا يمثل حلًا، وأن تجاوز الأزمة يتطلب معالجة تتجاوز المقاربة الأمنية إلى مسار سياسي ومجتمعي أوسع. يدعو الخبراء إلى الاعتراف بالمظلومية، وإعلان نتائج التحقيقات، ومحاسبة المسؤولين، وضمان عودة المهجرين، وإطلاق إدارة محلية حقيقية. الحل يمر عبر إنهاء حالة القطيعة، ووجود ممثلين حقيقيين عن المجتمع المحلي يجلسون إلى طاولة الحوار مع الدولة، بالتوازي مع انفتاح أكبر على التنوعات الاجتماعية. معالجة الأزمة تبدأ بالاعتراف بحجم المأساة الإنسانية، وإجراء محاسبة شفافة، وتعويض المتضررين، وتأمين عودة آمنة للمهجرين.
اتخذت السلطات السورية خطوات عدة على المستوى القانوني، بدءًا من تشكيل لجنة تحقيق وطنية معنية بأحداث السويداء، وصولًا إلى إعلان إحالة عدد من الملفات إلى القضاء. بدأت محكمة الجنايات العسكرية في دمشق عقد جلسات محاكمة علنية اعتبارًا من 1 تموز، بعد إحالة عدد من المتهمين إلى قاضي التحقيق. أثار الإعلان عن بدء المحاكمات تساؤلات حول دلالات توقيت هذه الخطوة ومدى اكتمال التحقيقات، وما إذا كانت تمثل بداية فعلية لمسار عدالة شامل.
يرى مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أن مسار التحقيق الوطني لا يزال “منقوصًا وغير مكتمل”، ويعاني من غياب الشفافية والاستقلالية. يعتبر أن التحقيق في أحداث بهذا الحجم يفترض أن تتولاه جهة مستقلة. يرى حقوقي أن انتقال الملف إلى القضاء يمثل تطورًا إيجابيًا من حيث المبدأ، باعتباره يشير إلى أن التحقيقات تجاوزت مرحلة جمع المعلومات. لكن تقييم جدية هذه الخطوة لا يرتبط بمجرد انطلاق المحاكمات، وإنما بمدى التزامها بمعايير العدالة وسيادة القانون. المساءلة الحقيقية تقاس بشمول التحقيق لجميع الانتهاكات وجميع المسؤولين عنها، بغض النظر عن مواقعهم. ما جرى حتى الآن يمثل بداية لمسار العدالة وليس نهايته.
يرجح البعض أن يكون توقيت الإعلان عن الإجراءات القضائية مرتبطًا باعتبارات سياسية أكثر منه باستكمال المسار القانوني. التحدي الأساسي لا يقتصر على سير التحقيقات، وإنما يبدأ من آلية تشكيل اللجنة نفسها. أخطر ما خلّفته الأحداث هو الشرخ المجتمعي بين أبناء الطائفة الدرزية والعشائر العربية. الانتهاكات التي رافقت الأحداث تضمنت “مجازر وانتهاكات جسيمة”.
يعتقد آخرون أن التأخير قد يكون مبررًا من الناحية القانونية إذا احتاجت لجنة التحقيق إلى وقت لاستكمال جمع الأدلة. تزامن الإعلان عن بدء المحاكمات مع الذكرى السنوية قد يحمل رسالة تؤكد استمرار إجراءات المساءلة، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلًا على فعاليتها. قوة ملف الاتهام ستتحدد بمدى تكامل الأدلة وتوافقها، مع الاستماع إلى الشهود وإجراء الخبرات الفنية اللازمة. العدالة لا تقتصر على المحاسبة الجنائية، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل كشف الحقيقة، وإجراء محاكمات مستقلة وعادلة، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
سوريا محلي
⚠️محذوفسوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي