العمل الثقافي في طرطوس: رؤية لتطويره وتعزيز الثقة وبناء سوريا الجديدة


هذا الخبر بعنوان "رؤية حول واقع العمل الثقافي في محافظة طرطوس وسبل تطويره في سوريا الجديدة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشكل العمل الثقافي في محافظة طرطوس أحد أهم المداخل لإعادة بناء الثقة بين المواطنين وتعزيز السلم الأهلي، نظرًا لما تتميز به المحافظة من إرث حضاري وتنوع اجتماعي وثقافي وطاقات إبداعية كبيرة. ومع ذلك، لا يزال الواقع الحالي يواجه تحديات عديدة، أبرزها محدودية المبادرات الثقافية الجامعة، وضعف مشاركة الشباب، وهجرة الكثير من الكفاءات الثقافية، بالإضافة إلى آثار سنوات الصراع التي أضعفت الروابط الاجتماعية ورسخت لدى بعض الفئات مشاعر الانقسام والشك المتبادل.
في العهد الجديد، ينبغي أن ينتقل العمل الثقافي من كونه نشاطًا مناسباتيًا أو نخبويًا إلى مشروع مجتمعي مستدام يسهم في بناء الإنسان وترسيخ قيم المواطنة. فالثقافة ليست ترفًا، بل هي ركيزة لإعادة إنتاج الثقة، وصياغة هوية وطنية جامعة، وتعزيز الانتماء إلى الدولة وسيادة القانون. ويتطلب ذلك اعتماد مجموعة من الأولويات، أهمها:
كما ينبغي أن يكون الخطاب الثقافي الجديد قائمًا على قيم المواطنة المتساوية، واحترام الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، والاعتراف بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا سببًا للانقسام. وفي المقابل، يجب عدم توفير أي مساحة لمن يحرض على العنف أو الكراهية أو التمييز، وذلك عبر ترسيخ ثقافة الحوار والنقد المسؤول، والاحتكام إلى القانون، وتعزيز التربية على حقوق الإنسان، بما يحد من تأثير الخطابات الإقصائية ويعزز مناعة المجتمع.
ومن المهم أيضًا بناء منظومة ثقافية تشاركية تعتمد الشفافية والكفاءة في إدارة المشاريع الثقافية، وتكافؤ الفرص في دعم المبدعين، وتشجيع المبادرات التطوعية، واستقطاب الخبرات السورية في الداخل والخارج للمساهمة في إعادة النهوض بالحياة الثقافية.
وفي الختام، فإن نجاح العمل الثقافي في محافظة طرطوس لن يقاس بعدد الفعاليات والأنشطة فحسب، بل بقدرته على إعادة بناء جسور الثقة بين أبناء المجتمع، وتعزيز العيش المشترك، وترسيخ ثقافة المواطنة، وإطلاق طاقات الإبداع والحوار، بما يسهم في بناء دولة سورية جديدة عادلة، يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وتكون الثقافة فيها شريكًا أساسيًا في التنمية والاستقرار والسلام المجتمعي.
السؤال الذي يفرض نفسه في ضوء ما تقدم هو: كيف يمكن توفير الأموال اللازمة لتنفيذ هذا المشروع الثقافي؟ هل من موازنة الدولة فقط، أم يمكن الاعتماد على الفعاليات الأهلية والاقتصادية من خلال إحداث صندوق خاص لدعم النشاطات الثقافية المذكورة؟
أرى أن الاعتماد على موازنة الدولة وحدها لن يكون كافيًا ولا مستدامًا، خاصة في مرحلة إعادة البناء وما يرافقها من أولويات اقتصادية وخدمية. وفي المقابل، فإن تحميل المجتمع الأهلي وحده مسؤولية تمويل العمل الثقافي قد يؤدي إلى عدم الاستقرار أو إلى تفاوت في فرص الدعم. لذلك، فإن النموذج الأكثر فاعلية هو الشراكة التمويلية بين الدولة والمجتمع والقطاع الاقتصادي. ويمكن أن تقوم هذه الشراكة على إنشاء صندوق دعم الثقافة والتنمية المجتمعية في محافظة طرطوس، يعمل وفق نظام مالي وإداري شفاف، ويخضع للرقابة، وتشارك في إدارته الجهات الرسمية والفعاليات الثقافية والاقتصادية والمجتمعية. وتكون مهمته تمويل المبادرات الثقافية ذات الأثر المجتمعي، وليس تمويل المؤسسات بحد ذاتها.
ويمكن أن تتنوع مصادر تمويل الصندوق، ومنها:
ولا تقل أهمية آلية الإنفاق عن أهمية التمويل نفسه؛ إذ ينبغي أن تُمنح المشاريع وفق معايير واضحة، من خلال مسابقات أو دعوات مفتوحة، مع نشر نتائج التمويل والتقارير المالية بصورة دورية، لضمان ثقة المجتمع ومنع المحاباة. كما يمكن تشجيع القطاع الاقتصادي على الانخراط في هذا المشروع عبر تقديم حوافز معنوية وإعلامية، مثل منح صفة “شريك الثقافة” للمؤسسات الداعمة، وإبراز مساهماتها في الفعاليات والمنصات الرسمية، وربط اسمها بمشروعات ذات أثر مجتمعي ملموس. وإذا سمحت التشريعات، يمكن أيضًا دراسة حوافز ضريبية محدودة للمساهمات الموثقة في الصندوق، كما هو معمول به في عدد من الدول لدعم العمل الثقافي.
وفي تقديري، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد تأمين المال، بل بناء ثقافة مجتمعية تعتبر الاستثمار في الثقافة استثمارًا في الاستقرار والتنمية. فكل نشاط ثقافي ناجح يخفف من الاحتقان الاجتماعي، ويعزز الحوار، ويمنح الشباب فضاءات للإبداع والانتماء، ويحد من تأثير خطابات الكراهية والتطرف. ومن هذا المنظور، فإن دعم الثقافة ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل هو استثمار طويل الأمد في الأمن المجتمعي والتنمية البشرية وبناء الدولة.
ثقافة
اقتصاد
ثقافة
ثقافة