المحكمة الدستورية السورية: بيت خبرة استشاري لا يقيد سلطة البرلمان التشريعية


هذا الخبر بعنوان "المحكمة الدستورية في سوريا.. “بيت خبرة” برأي لا يقيّد البرلمان" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد المحكمة الدستورية العليا في سوريا ركيزة أساسية في المرحلة الانتقالية، حيث تضطلع بدور استشاري يقتصر على إبداء الرأي بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب. هذا الدور يجعلها بمثابة "بيت خبرة دستوري" يستعين به المشرّع لضمان جودة النصوص القانونية قبل إقرارها، دون المساس بالحق الأصيل للبرلمان في التشريع وصياغة القرارات. على عكس دورها في العهد السابق الذي اتسم بالصبغة السياسية وإضفاء الشرعية الشكلية على السلطة الرئاسية، تتجه المحكمة الحالية في مرحلتها الانتقالية نحو التركيز على البناء التشريعي وحماية الحقوق، والانتقال من مفهوم "قضاء السلطة" إلى "سلطة القضاء الدستوري المستقل".
تُعتبر المحاكم الدستورية العليا حول العالم حامية للدستور، وتمنع تجاوز السلطات لحدودها، فهي تمنع البرلمان من التوسع في التشريع وتكبح جماح السلطة التنفيذية، وتشكل صمام أمان لضمان خضوع الدولة للقانون وتحويل الدستور إلى درع حي يحمي الحقوق والحريات.
تفكيك تشابك الصلاحيات الدستورية:
نص الإعلان الدستوري في مادته 47 على تأسيس محكمة دستورية عليا جديدة تحل محل القائمة، وتتكون من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية من ذوي النزاهة والكفاءة والخبرة، وتنظم آلية عملها واختصاصاتها بقانون. وقد صدر المرسوم التشريعي 149 بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا، الذين أدوا اليمين الدستورية باحترام الإعلان الدستوري.
يستعرض هذا الملف حدود اختصاصات المحكمة الدستورية العليا ومهامها وعلاقتها بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، وشرح التداخلات في عملها، وسلطتها التقديرية على النصوص والتشريعات.
رأي لا وصاية: حدود الدور الاستشاري للمحكمة الدستورية
أكد الدكتور أحمد القربي، عضو لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري، أن المحكمة الدستورية العليا لن تحل محل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب. وأوضح أن اختصاص المحكمة يتمثل في "سلطة اختيارية تقديرية" لرئيس الجمهورية فيما يتعلق بمشاريع القوانين، ولرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب معًا فيما يتعلق بمقترحات القوانين. وهذا الاختصاص لا يحل محل عمل اللجنة الدستورية والتشريعية، كما أن اللجنة التشريعية جزء من السلطة التشريعية، بينما المحكمة الدستورية جزء من السلطة القضائية، مما يكرس اختلافًا جوهريًا بين طبيعة عملهما. ورأي اللجنة التشريعية يخضع لتقدير مجلس الشعب، ورأي المحكمة الدستورية هو رأي استشاري غير ملزم.
ما طريق الصكوك التشريعية؟
إحالة مشاريع القوانين إلى المحكمة الدستورية العليا تخضع للسلطة التقديرية لرئيس الجمهورية. فبعد إعداد مشروع القانون من قبل الحكومة وإحالته إلى رئاسة الجمهورية، يمكن لرئيس الجمهورية إما إحالته مباشرة إلى مجلس الشعب، أو إحالته إلى المحكمة الدستورية العليا لإبداء الرأي فيه. وهذا الرأي استشاري وغير ملزم، فقد تخلص المحكمة إلى أن مشروع القانون يتوافق مع الدستور، بينما يرى رئيس الجمهورية أو مجلس الشعب غير ذلك. فالتراتبية تبدأ بوصول مقترح القانون من الحكومة إلى رئيس الجمهورية، والذي يحيله إما مباشرة إلى البرلمان، أو إلى المحكمة الدستورية للاستئناس برأيها أولًا ثم إحالته إلى البرلمان. وللبرلمان بعد ذلك الحرية في الأخذ برأي المحكمة الدستورية أو عدم الأخذ به.
ماذا عن المراسيم والقوانين الصادرة؟
لا يوجد نص قانوني واضح يلزم بعرض المراسيم الصادرة على المحكمة الدستورية العليا. فالفقرة الأولى من المادة الرابعة تنص على "الفصل في دستورية القوانين والأنظمة"، دون ذكر المراسيم صراحةً. وبناءً عليه، لا يمكن الاستنتاج بأن المراسيم التي صدرت منذ تاريخ صدور الإعلان الدستوري ستُعرض على المحكمة، إلا في حال إقرار آلية محددة لذلك. ويخضع هذا الأمر للسلطة التقديرية لمجلس الشعب. ومع ذلك، فإن الأفضل هو إحالتها إلى البرلمان لإقرارها، غير أنه يظل من حق البرلمان عدم المطالبة بإحالتها.
رأي المحكمة غير ملزم ومجلس الشعب لا يحاسب الرئيس
عبارة "إبداء الرأي" تعني من الناحية القانونية تقديم رأي استشاري بحت وليس رأيًا ملزمًا، أي أنه رأي لا يقيد مجلس الشعب ولا رئاسة الجمهورية. ولو كان المشرع يهدف إلى الإلزام، لورد النص بعبارة "الفصل في دستورية مشروعات القوانين". النظام الداخلي لمجلس الشعب ينظم العلاقة بين البرلمان ورئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية، أما العلاقة مع المحكمة الدستورية العليا فتختلف لكونها سلطة قضائية مستقلة. لا يوجد تداخل أو اعتداء من قبل المحكمة الدستورية على اختصاصات البرلمان. أما بخصوص مساءلة رئيس الجمهورية أو حجب الثقة عن الحكومة، فإن هذه الآليات غير قائمة في ظل الإعلان الدستوري الحالي الذي يتبنى "النظام الرئاسي". رئيس الجمهورية لا يملك صلاحية حل البرلمان، مما يكرس فصلًا صارمًا بين السلطتين.
رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا:
يترأس المحكمة الدستورية العليا الدكتور عصام خالد الخليف، وتتألف من ستة أعضاء: القاضي المستشار خير الله نديم غنوم، القاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، القاضي المستشار إيمان أنطوان نوري، الدكتور إسماعيل حمادي الخلفان، الدكتورة ريعان حسن كحيلان، والمحامي الأستاذ عارف أحمد الشعال. يؤدي رئيس وأعضاء المحكمة اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية.
مهام المحكمة الدستورية العليا:
تتمثل المهام الأساسية للمحكمة الدستورية العليا في: الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة. إبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين، بناءً على طلب رئيس الجمهورية. إبداء الرأي في دستورية اقتراحات القوانين، بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب. تفسير نصوص الإعلان الدستوري، بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب.
يأتي تشكيل المحكمة الدستورية العليا بالتوازي مع بدء مجلس الشعب أولى جلساته بعد سقوط النظام السابق. وكانت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب زمن النظام السابق تختص بالنظر في دستورية التشريعات ومشروعات القوانين.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة