بعد انعقاد مجلس الشعب السوري: هل حان وقت الأحزاب السياسية في سوريا؟


هذا الخبر بعنوان "بعد انعقاد مجلس الشعب.. هل حان وقت الأحزاب في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عقد مجلس الشعب السوري أولى جلساته بعد إعلان تشكيله في 12 من تموز الحالي، فاتحًا بذلك باب النقاش حول شكل الحياة السياسية خلال المرحلة الانتقالية، والدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الجديدة في رسم ملامح سوريا الجديدة. ورغم أن الجلسة الأولى ركزت على الإجراءات التنظيمية، فإن انعقاد المجلس أعاد إلى الواجهة نقاشات أوسع تتعلق بمستقبل العمل السياسي في سوريا، وفي مقدمتها ملف الأحزاب، الذي برز مجددًا في الأوساط السياسية والإعلامية خلال الأيام الماضية.
أبرز الملفات
يتوزع الجدل القائم بين من يرى أن المرحلة الحالية تتطلب الإسراع في إقرار الحياة الحزبية على اعتبار أنها أحد مرتكزات العمل الديمقراطي، وبين من يعتبر أن الظروف الانتقالية الحالية لا تزال غير مهيأة لولادة أحزاب قادرة على المنافسة وفق أسس وبرامج سياسية واقتصادية. الطرح الثاني يستند إلى أن الأحزاب، بوصفها أدوات لتنظيم المشاركة السياسية، يجب أن ترتبط بوجود بيئة مؤسساتية مستقرة تسمح بتنافس قائم على البرامج، لا على الانتماءات السياسية والاجتماعية.
يثار هذا النقاش في حين لا تزال سوريا تعيش مرحلة انتقالية تشهد إعادة تشكيل لمؤسسات الدولة، إلى جانب استمرار العمل على معالجة ملفات اقتصادية وأمنية وخدمية متراكمة، ما يطرح تساؤلات حول ترتيب الأولويات السياسية، وما إذا كان تأسيس الأحزاب يمثل استحقاقًا آنيًا أم خطوة ترتبط باستكمال بناء المؤسسات وتبلور العقد الاجتماعي الجديد. وفي ظل تباين الآراء، يبرز تساؤل أساسي حول ما إذا كانت سوريا تقف اليوم أمام بداية تشكل حياة سياسية جديدة، أم أن المرحلة الحالية لا تزال تقتضي التركيز على بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار قبل الانتقال إلى منافسة حزبية كاملة، وهو ما يجعل ملف الأحزاب أحد أبرز الملفات المرشحة للبقاء في صدارة النقاش السياسي خلال المرحلة المقبلة.
بين الغياب والحضور
الباحث في المركز “العربي لدراسات سوريا المعاصرة” سمير العبد الله، يرى أن غياب الأحزاب السياسية عن مجلس الشعب في صيغته الحالية لا يمكن اعتباره مؤشرًا على غياب التعددية السياسية، بالنظر إلى طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد. وقال العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، إن الهيئة التشريعية الحالية تشكلت في ظروف استثنائية أعقبت أكثر من خمسة عقود من حكم الحزب الواحد، إلى جانب 14 عامًا من الحرب، ما يجعلها هيئة انتقالية محددة المدة وليست برلمانًا منتخبًا بصورة دائمة. العديد من التجارب الانتقالية حول العالم شهدت تشكيل هيئات تشريعية بالتعيين من قبل السلطات الانتقالية، إلى حين تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات حرة وتنافسية، بحسب العبد الله. واعتبر أن وجود أحزاب سياسية فاعلة داخل المجلس كان من شأنه أن يضفي مزيدًا من الحيوية على عمله، من خلال تعزيز النقاشات المتعلقة بالسياسات العامة، ورفع مستوى الرقابة على أداء الحكومة، وتحويل الاختلافات السياسية إلى منافسة مؤسساتية قائمة على البرامج بدلًا من الشخصيات أو التحالفات المؤقتة.
قانون الأحزاب
الوصول إلى هذه المرحلة، بحسب الباحث سمير العبد الله، يتطلب الإسراع في إصدار قانون عصري للأحزاب، وفتح المجال أمام النشاط السياسي، وتبسيط إجراءات الترخيص، إلى جانب ضمان تكافؤ الفرص بين مختلف القوى السياسية، مع وضع ضوابط قانونية تجرّم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والعنصري. وأضاف العبد الله أن ظهور أحزاب ذات طابع مناطقي أو أيديولوجي في المراحل الأولى من التحول السياسي يعد أمرًا طبيعيًا، مستشهدًا بتجارب شهدتها سوريا خلال مرحلتي الانتداب والاستقلال، فضلًا عن تجارب مشابهة في دول أخرى مرت بعمليات انتقال سياسي. وأشار إلى أن هذه الظاهرة لا تمثل بحد ذاتها إشكالًا، ما دامت المنافسة تجري ضمن إطار وطني ودستوري، وتستند إلى برامج سياسية واقتصادية واضحة، بدلًا من الانقسامات المجتمعية أو الهويات الضيقة. ولفت إلى أن تجارب الحكم القائمة على الحزب الواحد في سوريا، سواء خلال عهد أديب الشيشكلي أو مرحلة الوحدة مع مصر أو في ظل حكم حزب “البعث”، أظهرت أن احتكار الحياة السياسية يقود في نهاية المطاف إلى إضعاف مؤسسات الدولة. التعددية الحزبية تمثل أحد الشروط الأساسية لبناء نظام سياسي مستقر، بحسب الباحث، معتبرًا أن المطلوب في المرحلة الحالية ليس التعجل في تأسيس الأحزاب أو تأجيلها إلى أجل غير محدد، وإنما وضع خارطة طريق واضحة تبدأ بحوار وطني حول قانون الأحزاب، وتنتهي بإجراء انتخابات تنافسية تتيح للمواطنين الاختيار بين برامج سياسية حقيقية.
خلافات الشارع
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي درويش خليفة، إن غياب الأحزاب السياسية يفتح المجال أمام انتقال الخلافات السياسية إلى الشارع، ما يعزز حالة الاستقطاب على أسس قومية أو طائفية، بدلًا من احتوائها ضمن الأطر المؤسساتية. وأضاف خليفة، في حديث إلى عنب بلدي، أن سوريا شهدت خلال السنوات الماضية، سواء في عهد نظام الأسد (الأب والابن) أو خلال المرحلة الانتقالية الحالية، تراجعًا في الحياة الحزبية. واعتبر أنه كان من الممكن السماح للأحزاب التي تثبت التزامها بالثوابت الوطنية مواصلة نشاطها السياسي، على ألا تشارك ككتل حزبية في السلطة خلال المرحلة الانتقالية، وإنما عبر شخصيات مستقلة أو تكنوقراط. الأولوية في المرحلة الحالية، وفق رؤية خليفة، تتمثل في الإسراع بإصدار قانون للأحزاب ينظم الحياة السياسية، ويحدد الأطر القانونية لعملها، مع التأكيد على ضرورة أن تقوم هذه الأحزاب على أسس وطنية جامعة، لا على الانتماءات القومية أو المذهبية أو أي هويات فرعية أخرى. وأشار إلى أن الحزب القادر على تمثيل السوريين يجب أن يضم في بنيته مختلف مكونات المجتمع، بما يجعله معبرًا عن تطلعات عامة لا عن مصالح فئة بعينها.
ليس “وصفة سحرية”
المحلل درويش خليفة اعتبر أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية “شديدة الحساسية” بعد سنوات من الصراع الذي طال الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، لافتًا إلى أن وجود أحزاب وطنية يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي والمجتمعي، إلا أنه لا يرى في التنافس الحزبي، في ظل الظروف الحالية، “وصفة سحرية” لمعالجة الأزمات القائمة. المرحلة تتطلب حوارًا وطنيًا واسعًا بين النخب السياسية والمجتمعية للتوافق على آليات إدارة المرحلة الانتقالية، بحسب خليفة. ولفت إلى أن شريحة واسعة من القوى السياسية ما زالت ترى أنها لم تكن جزءًا من النقاشات التي سبقت تشكيل مجلس الشعب أو اختيار أعضائه. كما أبدى خليفة تحفظه على تسمية “مجلس الشعب”، معتبرًا أنها ترتبط تاريخيًا بمرحلة الحكم السابقة، مقترحًا استخدام تسميات أخرى مثل “المجلس النيابي” أو “مجلس النواب” أو “البرلمان”، حيث تعكس توجهًا نحو التعددية والمشاركة السياسية. سوريا تحتاج إلى تجاوز نموذج الحزب ذي الطابع العقائدي الذي طبع الحياة السياسية لعقود، والانتقال نحو أحزاب تستند إلى برامج سياسية واقتصادية واجتماعية، قادرة على التعامل مع تحديات المرحلة الراهنة، وفقًا لخليفة. وأوضح أن التحولات التي تشهدها البلاد، بما في ذلك الانتقال من نموذج اقتصادي ذي طابع اشتراكي إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا، تتطلب مقاربات تدريجية تراعي الأوضاع المعيشية، مؤكدًا أن نجاح المرحلة المقبلة يرتبط بوجود ترابط بين البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز التماسك المجتمعي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة