سوريا تتجه نحو الصكوك السيادية لسد عجز الموازنة وتجنب طباعة النقود


هذا الخبر بعنوان "الصكوك لتغطية عجز الموازنة في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعلنت وزارة المالية السورية عن خطوة استراتيجية لإعادة هيكلة ماليتها العامة، تتمثل في التحضير لإصدار أول صكوك سيادية منذ سقوط النظام السابق. تأتي هذه الخطوة في سياق سعي الحكومة السورية للخروج من مرحلة "التمويل النقدي" (طباعة النقود) التي أدت إلى ضغوط تضخمية حادة خلال العقد الماضي، والتحول نحو أدوات تمويل غير تضخمية تعتمد على السوق لتمويل عجز موازنة عام 2026، الذي يقدر بنحو 1.8 مليار دولار.
ترأس وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، اجتماعًا للجنة الأوراق المالية والصكوك السيادية لمناقشة مسودة الخطة الاستراتيجية لإصدار سندات وأذون الخزينة والصكوك السيادية. تهدف الاستراتيجية إلى تحقيق ثلاثة محاور رئيسة: تمويل غير تضخمي عبر تأمين مصادر تمويل حقيقية للموازنة العامة بعيدًا عن الاقتراض المباشر من المصرف المركزي؛ تسعير الأصول من خلال خلق مؤشر مرجعي لعائد الأوراق المالية الحكومية يساعد المؤسسات المصرفية على تسعير خدماتها؛ وإدارة السيولة لتمكين مصرف سوريا المركزي من تفعيل أدوات السيولة وعمليات السوق المفتوحة.
وأوضح الوزير برنية أن الخطة تعتمد على "التوسع التدريجي في الإصدارات لفترات استحقاق أطول لبناء مؤشر عائد مرجعي على المدى المنظور ومتوسط الأجل"، مؤكدًا على أهمية تحقيق "الاستدامة المالية" وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
لماذا الصكوك بدل طباعة العملة؟
تتوقع الموازنة العامة لسوريا لعام 2026 إيرادات بنحو 8.7 مليار دولار مقابل إنفاق يقدر بـ10.5 مليار دولار، مما يخلق عجزًا ماليًا قدره 1.8 مليار دولار (حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر بـ32 مليار دولار). يرى الخبير الاقتصادي والمالي السوري الدكتور محمود عبد الكريم أن اللجوء إلى الصكوك والسندات هو الخيار الأنسب لمواجهة هذا العجز مقارنة بالاستدانة من البنك المركزي. وأوضح أن اقتراض الحكومة من المركزي يخلق نقودًا جديدة (تمويل تضخمي) يؤدي إلى تآكل قيمة الليرة، بينما الصكوك والسندات تسحب السيولة الراكدة وتوجهها نحو الإنفاق الإنتاجي.
تعد الصكوك، المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، أداة جذابة للسوق السورية نظرًا لارتباطها بأصول حقيقية تدر عائدًا.
تحدي التوقيت.. جسر مالي بين موازنتين
رغم أن موازنة 2026 نصت صراحة على الصكوك كمصدر لتمويل العجز، إلا أن عامل الوقت قد يفرض واقعًا مغايرًا. يتوقع ألا يخرج الإصدار الأول إلى النور قبل الربع الأخير من عام 2026، مما يعني أن الحصيلة الفعلية ستغطي جزءًا يسيرًا من عجز العام الحالي، وستعمل كـ"جسر تمويلي" يمتد أثره لتمويل عجز موازنة عام 2027.
الحدود الآمنة في الاقتراض من المركزي
يشير الدكتور عبد الكريم إلى أن الاقتراض من البنك المركزي يجب ألا يتجاوز 5 إلى 10% من إيرادات الموازنة السابقة، وأن يكون سلفة مؤقتة. وتطبيق هذه القاعدة على سوريا يعني أن السقف الآمن نظريًا يتراوح بين 400 و800 مليون دولار كسلفة قصيرة الأجل فقط. أي دين من المركزي لا يغطي أكثر من ثلث إلى نصف العجز، وأي تجاوز لهذا السقف يعني الانزلاق مجددًا نحو طباعة النقود.
تغطية العجز ومصادر التمويل
من المتوقع أن يغطي الإصدار الأول للصكوك ما بين 500 و900 مليون دولار في أفضل السيناريوهات، على أن تُغطى البقية من مصادر مكملة تشمل الصندوق السيادي، وعقود الشراكة مع القطاع الخاص، والمنح الخارجية.
حتمية الشفافية وجذب رأس المال الأجنبي
يؤكد الدكتور عبد الكريم أن نجاح هذه الأدوات مرهون بالالتزام بالمعايير الدولية للإفصاح. وتكتسب الشفافية أهمية قصوى لجذب الاستثمارات الأجنبية لإعادة الإعمار، حيث يتسبب ضبابية البيانات في رفع تكلفة الاقتراض.
التوزيع المتوقع للمستثمرين
تشير التحليلات إلى أن الإصدار الأول من الصكوك سيغطي بين 30% و50% من العجز المستهدف. ويتوزع المستثمرون المتوقعون على النحو الآتي: المصارف الإسلامية والتجارية (70-80%)، شركات التأمين والتكافل، صناديق الاستثمار المشتركة (في مرحلة لاحقة)، والأفراد وصغار المدخرين (5-10%) بشروط معينة.
بورصة دمشق.. شريان الأصول الجديدة
يعد إدراج هذه الصكوك في سوق دمشق للأوراق المالية ركيزة أساسية لمنحها ميزة "السيولة الثنائية"، مما ينشط البورصة ويحفز الشركات الخاصة لإصدار صكوكها الخاصة مستقبلًا.
شروط النجاح الثلاثة
تستند التجربة السورية في هذا المجال إلى ثلاثة محاور: الشفافية المطلقة، الانضباط التنموي بتوجيه الحصيلة نحو مشاريع استثمارية، وتوسيع القاعدة الضريبية بدمج الاقتصاد غير الرسمي بدلًا من رفع المعدلات الضريبية.
مخاطر الفشل
في حال تعثر هذه الخطوة أو الفشل في إدارتها، يواجه الاقتصاد السوري مخاطر داهمة تشمل الارتداد نحو طباعة النقود، تقويض مصداقية الإصلاح المالي، الدخول في "فخ الدَّين"، وتجميد السيولة المصرفية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد