مهنة "الدليفري": شريان حياة للشباب السوري في ظل ضائقة المعيشة


هذا الخبر بعنوان "سوريون يواجهون ضغط المعيشة بمهنة “الدليفري”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع انتهاء محاضراته الجامعية، يتجه محمد (21 عامًا) إلى دراجته النارية ليبدأ ساعات عمل في توصيل الطلبات (الدليفري) تمتد حتى المساء. يدرس محمد في السنة الثالثة بكلية التجارة والاقتصاد بجامعة "اللاذقية"، ولم يكن يتوقع أن تصبح هذه المهنة جزءًا من يومياته، لكنه وجد فيها مصدر دخل يساعده على تغطية نفقاته في ظل محدودية فرص العمل المتاحة للطلاب. يعمل محمد بمعدل ست إلى ثماني ساعات يوميًا، ويمنحه العمل مرونة كافية للتوفيق بين الدراسة والعمل، ولكنه يضعه تحت ضغط دائم، حيث تلتهم تكاليف الوقود والصيانة اليومية للدراجة نحو ثلث ما يجنيه، بالإضافة إلى تأثير الساعات الطويلة في الشارع على تركيزه الدراسي. يحلم محمد بالحصول على فرصة تدريب ووظيفة محاسب في شركة استثمارية فور تخرجه، لكنه يجد نفسه اليوم يوازن بصعوبة بين صفحات الكتب وعجلات الدراجة.
لا تبدو قصة محمد حالة فردية، إذ تحولت مهنة توصيل الطلبات خلال السنوات الأخيرة إلى خيار يلجأ إليه طلاب جامعيون وخريجون، إلى جانب أمهات وآباء معيلين وأشخاص من أعمار وخلفيات مختلفة، بحثًا عن مصدر دخل سريع في ظل ظروف اقتصادية صعبة وتراجع فرص العمل المرتبطة بالشهادات الجامعية. ورصدت "عنب بلدي" عشرات شركات ومكاتب توصيل الطلبات العاملة في عدد من المحافظات السورية، بينها دمشق واللاذقية وحلب وحماة، عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي. ويأتي انتشار هذه المهنة في وقت يواجه فيه سوق العمل السوري تحديات كبيرة، إذ تشير تقديرات البنك الدولي المستندة إلى نماذج منظمة العمل الدولية إلى أن معدل البطالة في سوريا بلغ نحو 13.6% عام 2025، بينما ترتفع النسبة بين الشباب إلى نحو 33.1%. ويعكس هذا التوجه سعي فئات مختلفة إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، في وقت لم تعد فيه الشهادة الجامعية وحدها تذكرة عبور كافية إلى سوق العمل التقليدي، ليتحول العمل المؤقت وغير المنظم في قطاع الخدمات إلى بديل اضطراري عن الوظائف الشحيحة في القطاعين العام والخاص، رغم غياب الاستقرار وعقود العمل الرسمية أو الحماية الاجتماعية.
مهنة تستقطب طلابًا وخريجين
يرى أحمد ناعسة، صاحب شركة توصيل، أن أغلبية المتقدمين للعمل في هذا المجال خلال الفترة الأخيرة هم من فئة الشباب، وبينهم طلاب جامعات وخريجون من اختصاصات مختلفة. وقال أحمد لـ"عنب بلدي"، إن عددًا من الذين عملوا معه كانوا من خريجي تقانة المعلومات والتجارة والاقتصاد، إضافة إلى طلاب جامعات، مضيفًا أنه تعامل أيضًا مع أشخاص درسوا اختصاصات أخرى ولم يجدوا فرصًا مناسبة في مجالاتهم. وأضاف أن الإقبال على العمل في التوصيل تراجع نسبيًا مقارنة بالسابق، بسبب ارتفاع تكاليف تشغيل الدراجة النارية، وخاصة أسعار الوقود والإصلاحات، مشيرًا إلى أن العامل أصبح يحسب تكاليفه جيدًا قبل الدخول إلى المهنة. ويعتمد نظام العمل في شركته على تقاسم أجرة الطلبات، إذ يحصل عامل التوصيل على 60% من قيمة الأجرة، بينما تحصل الشركة على 40%، مقابل تكاليف تشغيل مرتبطة بمتابعة الطلبات ومعالجة المشكلات التي تواجه العاملين. وأشار أحمد إلى أن دخل عامل التوصيل يختلف بحسب نشاطه وعدد الطلبات التي ينجزها يوميًا، وقد يتراوح شهريًا بين مليونين وأربعة ملايين ليرة. وأضاف أن نجاح العامل لا يرتبط بسرعة القيادة فقط، بل بحسن التعامل مع الزبائن، والمحافظة على الطلب حتى وصوله، إذ يتحمل مسؤولية أي تلف قد يصيب البضاعة في أثناء النقل، سواء كانت وجبات طعام أو طلبيات من متاجر أخرى.
تحديات الشارع وغياب الحماية
لا يرتبط عمل "الدليفري" فقط بعدد الطلبات والدخل، بل يضع العاملين في مواجهة تحديات ومخاطر يومية في أثناء التنقل بين المناطق، بدءًا من احتمالات الحوادث والمخالفات المرورية، وصولًا إلى خطر سرقة الدراجات النارية أو تحمل خسائر مادية نتيجة الطلبات الوهمية، إذ يدفع العامل قيمة الطلب من ماله الخاص ليتفاجأ بإغلاق الزبون هاتفه بعد الوصول. وفي ظل غياب غطاء قانوني أو نقابي يحمي هؤلاء العاملين، يطالب صاحب شركة التوصيل أحمد ناعسة بتقديم تسهيلات أو قروض ميسرة تساعد الشباب الراغبين في دخول المهنة على شراء دراجات نارية أو صيانتها، معتبرًا أن تنظيم ودعم هذا القطاع بات ضرورة لتقليل المخاطر التي يتحملها الشباب بمفردهم في الشوارع. ولا تقتصر المخاطر على الحوادث أو الخسائر المالية، إذ قال أحمد، إن الضغط المرتبط بسرعة التسليم يدفع بعض العاملين إلى المجازفة في أثناء القيادة لتجنب تأخر الطلبات، بينما تؤدي الأعطال المفاجئة للدراجات إلى توقف مصدر دخلهم بالكامل إلى حين إصلاحها. وأضاف أن أحد أقاربه توفي في حادث سير خلال عمله في توصيل الطلبات، وما زالت تلك الحادثة تذكره بحجم المخاطر التي قد تتحول خلالها رحلة توصيل عادية إلى مأساة. من جهته، قال محمد إن أكثر ما يقلقه خلال عمله ليس طول ساعات التوصيل فقط، بل احتمال تعرضه لحادث أو تعطل دراجته، لأن ذلك يعني توقف مصدر دخله. وأضاف أنه يحاول التعامل مع العمل بوصفه مرحلة مؤقتة تساعده على تغطية نفقاته حتى ينهي دراسته ويتمكن من إيجاد فرصة في اختصاصه.
امرأة تكسر الصورة النمطية
في جانب آخر من المهنة، تعمل "أم قصي" في مدينة النبك بريف دمشق، بشكل مستقل، على توصيل الطلبات عبر دراجة نارية، في تجربة مختلفة عن الصورة النمطية المرتبطة بالعاملين في هذا المجال. وقالت "أم قصي" لـ"عنب بلدي"، إن دخولها مهنة التوصيل جاء بحثًا عن مصدر دخل يساعدها على إعالة نفسها وابنتها، بعد أن وجدت في هذا العمل فرصة لا تتطلب انتظار وظيفة ثابتة أو امتلاك خبرة طويلة. واجهت "أم قصي" في بداية تجربتها صعوبات مرتبطة بطبيعة العمل، بدءًا من تعلم قيادة الدراجة النارية والتعامل مع الطريق، وصولًا إلى نظرة المجتمع إلى امرأة تعمل في مهنة يغلب عليها حضور الرجال. ومع مرور الوقت، أصبح وجودها مألوفًا لدى سكان المنطقة، ونجحت في بناء علاقة قائمة على الثقة مع عدد من الزبائن، وخاصة النساء اللواتي فضّلن التعامل معها. وتعكس تجربتها جانبًا آخر من توسع مهنة التوصيل، التي باتت تستقبل أشخاصًا من خلفيات وظروف مختلفة بحثًا عن مصدر دخل.
شرائح متعددة ودافع واحد
بين طالب جامعي يحاول تأمين مصاريف دراسته، وخريج يبحث عن فرصة خارج اختصاصه، وأم معيلة وجدت في الدراجة وسيلة لإعالة أسرتها، أصبحت مهنة توصيل الطلبات مساحة عمل تستوعب فئات مختلفة من الباحثين عن مصدر دخل. ولا تبدو هذه التحولات منفصلة عن واقع سوق العمل في سوريا، إذ تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن نحو 83% من القوى العاملة تنشط في القطاع غير المنظم، وهو قطاع لا يوفر في الغالب عقود عمل أو تأمينات اجتماعية. كما يعيش معظم السوريين تحت ضغوط معيشية متزايدة، ما يدفع كثيرين إلى القبول بأعمال مؤقتة أو خارج اختصاصاتهم لتأمين دخل يساعدهم على مواجهة تكاليف الحياة اليومية. ورغم أن العمل يوفر مصدر دخل سريعًا ومرونة في ساعات العمل، فإن العاملين فيه يواجهون تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف التشغيل، ومخاطر الحوادث، وغياب أشكال الحماية الاجتماعية والتنظيم القانوني الواضح. وكانت منظمة العمل الدولية اعتمدت، في 12 من حزيران الماضي، اتفاقية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، دعت فيها إلى تعزيز حماية العاملين عبر المنصات الرقمية، وضمان حقوقهم في ظروف عمل عادلة، والسلامة المهنية، والوصول إلى الحماية الاجتماعية. وبينما تتوسع خدمات التوصيل في سوريا وتتحول إلى خيار متاح أمام الباحثين عن العمل، يبقى العاملون فيها أمام حاجة إلى تنظيم يوازن بين توفير فرص الدخل وحماية من يعتمدون عليها كمصدر دخل يومي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد