سوريا على مفترق طرق: هل حان وقت المصالحة الوطنية الشاملة؟


هذا الخبر بعنوان "هل من مبادرة لمصالحة وطنية؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد الكاتب غزوان قرنفل أن قرار السلطة السورية باجتياح السويداء قبل عام، بهدف إخضاع أهلها، لم يكن قرارًا حكيمًا بل كارثيًا على المستوى الوطني، ويعكس جهلًا سياسيًا كبيرًا. فالمجتمع السوري، الذي عانى طويلًا من ويلات النظام السابق، لم يكن بحاجة إلى جراح جديدة، خاصة بعد تكرار أحداث مشابهة في الساحل والسويداء تحت ذريعة بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح. كان يمكن للسلطة اتباع سبل أخرى كالحوار والتوافقات الوطنية بدلًا من العنف، خاصة وأنها تتبنى منطق الإخضاع المتجذر في فكرها. في تلك اللحظات، كان السوريون أحوج إلى السياسة والحوار الجاد، وإلى استثمار انتصارهم على السلطة الاستبدادية في بناء دولة القانون والمواطنة.
اليوم، وبعد الأحداث الدامية في الساحل والسويداء وما خلفته من ضحايا وآلام، تبرز الحاجة الماسة لمبادرة وطنية شاملة. فالدول تُبنى على الثقة بين مكوناتها، وليس على فرض الأمن بالقوة. يتطلب ذلك قرارًا سياسيًا شجاعًا يعترف بالخطأ، ويدرك عمق الصدوع التي أصابت المجتمع، ويقر بالجرائم التي ارتُكبت بلا سبب. إن إنكار هذه الحقائق سيزيد من اتساع الفجوة بين مكونات المجتمع السوري، ويضع مستقبل سوريا على المحك.
تقع الكرة اليوم في ملعب السلطة السورية، فهي المسؤولة عن سلامة البلاد ووحدتها وأمن مواطنيها. يجب عليها إطلاق مبادرة رسمية واضحة، تحت عنوان "المصالحة الوطنية والحوار السوري الشامل"، ترعاها الحكومة أو مجلس الشعب. يجب أن يتناول هذا الحوار مختلف القضايا بصراحة وعمق، لا أن يكون مجرد مناسبة إعلامية أو لقاء بروتوكولي. ينبغي أن يبدأ المشروع الوطني المتكامل بالاعتراف بالهواجس الحقيقية لدى شرائح واسعة من السوريين في مختلف المناطق. تجاهل هذه الهواجس لن يلغي وجودها، بل سيزيد من تفاقمها. الدولة القوية هي التي تحتضن الأصوات المختلفة وتحولها إلى جزء من مشروع وطني جامع.
المصالحة الوطنية ضرورية للمجتمعات الخارجة من الحرب، جنبًا إلى جنب مع العدل والمساءلة وإعادة الإعمار. الجراح المفتوحة، إن لم تُعالج، ستؤدي إلى تفاقم الأزمات وإعادة إنتاج العنف والانقسام. كما أن الانقسام الداخلي يمنح القوى الإقليمية والدولية أوراقًا للضغط والابتزاز، مما يدفع الدولة السورية نحو خيارات لا تخدم مصلحتها.
المصالحة الوطنية ليست تنازلًا أو مكافأة، بل هي استثمار في قوة الدولة واستقلال قرارها. سحب الأوراق الداخلية من التداول الخارجي يبدأ بإقفال أبواب الانقسام الداخلي عبر حوار وطني صادق وشامل، دون إقصاء أو استغلال فائض القوة. الدولة الجديدة التي يطمح إليها السوريون لا يمكن أن تقوم على الغلبة، فالوطن يبنيه جميع أبنائه عندما يشعرون بأنهم شركاء في مستقبله.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو الاعتقاد بأن الزمن وحده كفيل بمداواة الجراح. الزمن لا يعالج الأزمات إذا بقيت أسبابها قائمة، بل يفاقمها. يستحق السوريون الذين أنهكتهم سنوات الحرب لغة مختلفة تعترف بالألم وتفتح أبواب الحوار. السؤال المطروح هو: هل تبادر السلطة إلى إطلاق مشروع مصالحة وطنية حقيقي يعيد ترميم البيت السوري، أم يبقى الانقسام مفتوحًا ليستمر الآخرون في استثماره؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل المرحلة المقبلة ومصير الدولة السورية نفسها، فالأوطان لا يحميها إلا شعور أبنائها بالانتماء إليها واحترام حقوقهم وكراماتهم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة