عقود المكفوفين في خطر: هل يُخالف قانون التوظيف في سوريا؟


هذا الخبر بعنوان "مكفوفون يخسرون عقودهم بما يخالف قانون التوظيف" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد أكثر من عقد من الخدمة في مديرية زراعة طرطوس، يجد موظف مكفوف نفسه خارج الخدمة مع نهاية عقده الحكومي مطلع عام 2026، دون بديل واضح أو فرصة سهلة لإيجاد عمل آخر. الموظف، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، يعيل أسرة مكونة من خمسة أفراد. بالنسبة له، لم يكن انتهاء العقد مجرد إجراء إداري، بل تهديد مباشر لاستقرار أسرته ومصدر دخلها الوحيد تقريبًا. أعرب الموظف عن أسفه لانتهاء عقده الذي لم يُجدد حتى الآن، رغم تعيينه عبر مسابقة رسمية وليس ضمن فئات "مصابي الحرب" أو "ذوي الشهداء".
لا يرى الرجل أن مشكلته فردية، إذ تتشابه شكواه مع شكاوى مكفوفين وأشخاص ذوي إعاقة آخرين، يؤكدون أن عقودهم لم تُجدد رغم تعيينهم وفق النسبة القانونية المخصصة لهم في الجهات العامة، وهي 4% من الشواغر. بالنسبة لهؤلاء، خسارة العمل لا تعني فقط انقطاع الراتب، بل فقدان مساحة نادرة من الاستقلال في سوق عمل يضيق أصلاً أمام المكفوفين وذوي الإعاقة، ويتركهم أمام خيارات محدودة.
عضو جمعية "البراءة للمكفوفين"، ممدوح إبراهيم ديبو، أعرب عن استغرابه وقلقه إزاء عدم تجديد عقود بعض المكفوفين، خاصة أن بعض المتضررين يملكون سنوات خدمة طويلة تتراوح بين 12 و15 عامًا. ووفقًا لديبو، تشمل الحالات التي وصل علمه بها حوالي خمس حالات في محافظة طرطوس، وحالتين في دمشق، وثلاث حالات في حلب، في جهات عامة مختلفة مثل مديرية المرفأ ومعمل الأسمنت ومديرية السكك الحديدية ووزارة الزراعة. وتساءل ديبو عن الأساس القانوني للاستغناء عن عامل مكفوف تم تعيينه بموجب بند قانوني يمنح الأشخاص ذوي الإعاقة نسبة من الشواغر في الجهات العامة. واعتبر أن التعامل مع هذه الفئة على أنها "فائض وظيفي" يتعارض مع الهدف من القانون نفسه، الذي يهدف إلى تمكينهم وليس إعادتهم إلى نقطة الصفر. وأضاف أن الشخص المبصر يتمتع بقدرة أكبر على التحرك والبحث عن بدائل في سوق العمل، بينما يواجه المكفوفون صعوبات مضاعفة في التنقل والوصول إلى فرص عمل وإقناع أصحاب العمل بقدراتهم.
أكد معاون وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، بهجت الحجار، أن العمل بنسبة الـ4% المخصصة لتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة لا يزال قائمًا، وهي نسبة منصوص عليها في قانون العاملين الأساسي رقم "50" لعام 2004 وتعديلاته. ووفقًا لهذا القانون، يحق للأشخاص ذوي الإعاقة التقدم للحصول على فرص عمل في الجهات العامة ضمن النسبة المحددة لهم. لكن الحجار لفت إلى عدم وجود إحصاءات دقيقة حاليًا حول عدد أو نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة العاملين في الجهات الحكومية، مما يثير تساؤلات حول مدى التزام المؤسسات بهذه النسبة عمليًا. ويرى المتضررون والناشطون أن المشكلة لا تكمن في النص القانوني بحد ذاته، بل في كيفية تطبيقه وما إذا كان يوفر حماية حقيقية لمن تم تعيينهم بموجبه عند صدور قرارات تتعلق بالعقود المؤقتة أو تجديدها.
وفقًا للحجار، فإن الأشخاص ذوي الإعاقة الذين لم تُجدد عقودهم المؤقتة هم ممن تم تعيينهم خارج إطار المسابقات الرسمية، وبالتالي لم يتم تعيينهم وفق معايير الكفاءة المعتمدة في التوظيف النظامي. كما أشار إلى تعميم أصدرته وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، إلى مديريات التنمية الإدارية، يقضي بعدم تجديد العقود لفئات كانت تُصنَّف سابقًا ضمن مسميات مرتبطة بـ"مصابي الحرب" أو "ذوي الشهداء" خلال فترة النظام السابق. في المقابل، أوضح ممدوح ديبو أن هناك مكفوفين لم تُجدد عقودهم رغم أنهم لا ينتمون إلى فئتي "مصابي الحرب" أو "ذوي الشهداء"، بل تم تعيينهم ضمن الشواغر المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة الـ4% القانونية. ويرى أن الخلط بين الفئات المشمولة بالتعاميم قد يكون سببًا في تضرر بعض المكفوفين، داعيًا إلى التمييز بوضوح بين العقود التي جاءت ضمن سياقات استثنائية، وبين التعيينات المرتبطة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ونسبة تشغيلهم القانونية.
في حالة الموظف المكفوف العامل في مديرية الزراعة بطرطوس، تبدو الإشكالية أكثر وضوحًا، فقد جاء عدم تجديد عقده رغم إعلان وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي استكمال إجراءات تجديد العقود السنوية للعاملين لديها. كانت الوزارة قد أعلنت، عبر صفحتها الرسمية في 25 أيار الماضي، استكمال الإجراءات الرسمية المتعلقة بتجديد العقود السنوية للعاملين في الوزارة، وعددهم 6302 عامل، حتى تاريخ 31 كانون الأول المقبل، وفقًا لأحكام القانون رقم "50" لعام 2004. وكان وزير الزراعة، باسل سويدان، قد صرح لعنب بلدي بأن التجديد شمل جميع الموظفين المتعاقد معهم في الوزارة. إلا أن الموظف المكفوف أفاد بأنه عند مراجعته للمديرية التي يعمل بها، أُبلغ بأن التجديد شمل فقط من انتهت عقودهم منذ آذار الماضي. وبالعودة إلى إعلان وزارة الزراعة، لا توجد إشارة واضحة إلى حصر التجديد بالعقود المنتهية منذ ذلك التاريخ، بل يتحدث الإعلان عن استكمال إجراءات تجديد العقود السنوية حتى نهاية عام 2026.
ينتظر الموظف إعادة النظر في وضعه، ليس فقط كقضية فردية، بل لأنها تتقاطع مع أوضاع مكفوفين وأشخاص ذوي إعاقة في جهات حكومية أخرى وجدوا أنفسهم خارج العمل دون مراعاة لظروفهم ومسؤولياتهم الأسرية.
حول وجود التباس في القرارات والتعاميم وعدم تجديد عقود لمكفوفين وأشخاص ذوي إعاقة رغم تعيينهم عبر آلية المواءمة بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والجهات العامة، أوضح معاون وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، بهجت الحجار، أن على المتضررين مراجعة مديريات التنمية الإدارية التابعة للوزارات المعنية، باعتبار أن وزارة التنمية الإدارية هي الجهة المسؤولة عن شؤون التوظيف. لكن عضو جمعية "البراءة للمكفوفين"، ممدوح ديبو، يرى أن المشكلة تكمن في غياب الوضوح وتباين تطبيق التعاميم بين جهة وأخرى. فبعض المكفوفين تمكنوا من تجديد عقودهم في مؤسسات عامة، بينما لم يتمكن آخرون من العودة إلى عملهم حتى الآن. وهذا التباين يفتح الباب أمام سؤال أساسي: هل المشكلة في القوانين، أم في التعاميم، أم في طريقة تفسير كل جهة حكومية لها؟ طالب ديبو بإصدار تعليمات واضحة وموحدة تخص الأشخاص ذوي الإعاقة، وتفعيل بند المواءمة الوظيفية بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وباقي الجهات العامة، حتى لا تضيع حقوق هذه الفئة بين أكثر من وزارة ومديرية.
قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم "35" لعام 2022 ينظم شروط تعيين الأشخاص ذوي الإعاقة لدى الجهات العامة. وبحسب الآلية التي يتحدث عنها ديبو، يقدم الشخص ذو الإعاقة طلبه إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، مرفقًا بصورة عن بطاقة الإعاقة والمؤهل العلمي أو العملي، ثم يوجه كتاب إلى الجهة المراد التعيين فيها ضمن نسبة 4%. بعد ذلك، يُعرض الطلب على لجنة المواءمة الوظيفية، التي تدرس مدى توافق إمكانات مقدم الطلب مع الوظيفة الشاغرة، وفق الأنظمة والقوانين النافذة. هذه الآلية، إذا طُبقت بوضوح، يُفترض أن تمنح الأشخاص ذوي الإعاقة حماية أكبر، لأنها لا تقوم على تعيين عشوائي، بل على دراسة حالة المتقدم ومدى ملاءمة العمل له. وتتحدث القوانين السورية عن حقوق أخرى للأشخاص ذوي الإعاقة، من بينها منح بطاقة إعاقة، وتقديم خدمات صحية مجانية لحامليها عبر المؤسسات الصحية العامة، وتأمين خدمات تعليمية وتأهيلية، ودراسة طلبات الحصول على معينات حركية، إضافة إلى منح الأولوية في بعض الخدمات التعليمية والسكن الجامعي. لكن وجود هذه الحقوق في النصوص لا يكفي، بحسب متضررين، إذا بقي تطبيقها متفاوتًا أو غير واضح، خاصة حين يتعلق الأمر بالعمل والدخل. قال الحجار إن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تسعى إلى إنصاف الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعمل على دعم دمجهم في المجتمع وخلق فرص عمل مناسبة لهم. في المقابل، يرى ديبو أن ملف الإعاقة لا يزال بحاجة إلى حماية أكبر، ليس فقط في التوظيف، بل في مختلف الجوانب المرتبطة بالحياة اليومية والاندماج والاستقلال. وبين النص القانوني الذي يمنح الأشخاص ذوي الإعاقة نسبة محددة في سوق العمل الحكومي، وشكاوى مكفوفين فقدوا عقودهم أو لم تُجدد لهم، تبقى القضية معلقة عند سؤال التطبيق: من يضمن ألا يتحول حق العمل من نص قانوني إلى وعد غير مكتمل؟
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
اقتصاد