لماذا يفشل المنتخب السوري في الوصول إلى كأس العالم؟ تحليل معمق للأزمة الكروية


هذا الخبر بعنوان "بيئة رياضية تنتج الفشل" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما طارد المنتخب السوري حلم التأهل إلى كأس العالم لسنوات، كمن يركض خلف سراب، حيث تكررت المحاولات وتبدلت الوجوه الإدارية والفنية، وتعاقبت الأجيال، لكن النتيجة ظلت حبيسة الإخفاق وأخطاء التخطيط. ومع توسع مقاعد آسيا في مونديال 2026، بدا أن الحلم أقرب، إلا أن المنتخب واصل الوقوع في الأخطاء الإدارية والفنية، حيث تتعطل الهجمة عند أول عقبة تنظيمية، ويضيع البناء قبل الوصول إلى منطقة الجزاء. وبين غياب الاستقرار الفني، وضعف البنية الكروية، وتشتت مشروع اللعبة، ظل التأجيل هو العنوان الأبرز لمسار طويل من الإخفاق.
هذا الإخفاق هو نتاج تراكمات ممتدة، امتزج فيها ضعف التخطيط مع هشاشة الدوري المحلي، وتراجع الاستثمار في القواعد، وصولًا إلى فجوة واضحة بين اللاعب السوري داخل البلاد ونظيره المحترف خارجها. تبدو المنظومة الكروية بأكملها وكأنها تتحرك بلا "وسط ملعب" قادر على ربط الدفاع بالهجوم، أو صناعة فرصة حقيقية لتسجيل الحضور الأول لسوريا في كأس العالم.
في هذا السياق، تسعى عنب بلدي إلى تفكيك أزمة المنتخب السوري من جذورها، وقراءة أسباب الإخفاق المتكرر، ومقارنتها بتجارب عربية نجحت في كسر الحلقة، وصولًا إلى ملف الفئات العمرية باعتباره خط البداية لأي مشروع كروي حقيقي.
خلل منظومي ممتد
لم يكن إخفاق المنتخب السوري في بلوغ نهائيات كأس العالم 2026 بمعزل عن التراكمات الطويلة التي رافقت المنتخب عبر سنوات مختلفة، رغم تغير الأجهزة الفنية والإدارية وتبدل الأجيال. ومع توسع كأس العالم إلى 48 منتخبًا، وارتفاع حصة آسيا إلى ثمانية مقاعد مباشرة، بدا أن الفرصة هذه المرة أقرب من أي وقت مضى، إلا أن المنتخب السوري لم ينجح في تحويل هذا التغيير إلى فرصة حقيقية، واكتفى بضمان التأهل إلى نهائيات كأس آسيا 2027 في السعودية.
غياب النهج والهوية الفنية
يواجه المنتخب السوري حالة من التذبذب المستمر على مستوى الأداء والنتائج، دون أن ينجح خلال السنوات الأخيرة في تثبيت هوية فنية واضحة أو بناء منظومة لعب مستقرة. ويلاحظ أن مستوى المنتخب بقي قريبًا من نسقه السابق، مع تغييرات محدودة لم تنعكس بشكل جذري على جودة الأداء أو النتائج، في ظل استمرار الاعتماد على حلول فردية أكثر من وجود مشروع جماعي متكامل.
الأمين العام السابق للاتحاد السوري لكرة القدم، قتيبة الرفاعي، أوضح أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بجيل اللاعبين، بقدر ما ترتبط باستمرار النهج الإداري والفني ذاته. ويرى أن أبرز نقاط القوة تتمثل في بعض العناصر المحترفين خارج البلاد، في حين تبقى نقاط الضعف مرتبطة بغياب الاستقرار الفني والرؤية الواضحة، ما يجعل المنتخب بحاجة إلى إعادة بناء حقيقية على مستوى الإدارة والتخطيط وليس فقط على مستوى اللاعبين.
ويعتقد الرفاعي أن المنتخب السوري يمتلك عناصر يمكن البناء عليها مستقبلًا، إلا أن ذلك مشروط بوجود مشروع كروي واضح، وإدارة تعتمد معايير ثابتة في الاختيار والتخطيط، بدلًا من الاعتماد على الحلول المؤقتة التي تفرضها الظروف الآنية.
تراكمات الإخفاقات
يعد غياب المنتخب السوري عن نهائيات كأس العالم نتيجة تراكم طويل من الإخفاقات التي امتدت عبر سنوات، ولم يكن مرتبطًا بمرحلة أو تصفيات بعينها، بل يعكس حالة عامة من عدم الاستقرار في إدارة المنتخب وإعداده. وعلى الرغم من بعض المحطات التي اقترب فيها المنتخب من تحقيق حلم التأهل، مثل مونديال روسيا 2018، فإن غياب التخطيط بعيد المدى، وضعف الاستمرارية في العمل الفني، جعلا هذه المحاولات تنتهي دون الوصول إلى الهدف النهائي.
وأكد الرفاعي أن هذا الغياب لا يمكن قراءته كحادث ظرفي، بل هو نتيجة مباشرة لتراكمات إدارية وفنية ومالية امتدت لسنوات طويلة. وأشار إلى أن ضعف الدوري المحلي، إلى جانب محدودية الإمكانات وغياب الاستقرار الإداري، جميعها عوامل أساسية أسهمت في إضعاف قدرة المنتخب على المنافسة.
معاناة في التنظيم
اعتبر قتيبة الرفاعي أن الاتحاد السوري يعاني حتى في تنظيم المعسكرات التدريبية، سواء من حيث اختيار أماكن الإعداد أو تأمين مباريات ودية تتناسب مع الاحتياجات الفنية للمنتخب. ولفت إلى أن المنتخبات الكبرى تضع برامج مبارياتها الودية قبل سنوات، وهو ما يجعل التنسيق معها أمرًا صعبًا في ظل غياب التخطيط المبكر، معتبرًا أن هذه المشكلة تعكس خللًا إداريًا أكثر من كونها مسألة فنية.
حتى الفترات التي اقترب فيها المنتخب السوري من بلوغ كأس العالم، لم تكن ثمرة مشروع كروي متكامل، بل جاءت في سياقات استثنائية وظروف غير مستقرة، ما يجعل تكرار تلك النتائج غير مضمون في غياب رؤية تطوير شاملة تقوم على أسس واضحة ومستدامة.
غياب البيئة الكروية المتكاملة
يرى المحلل الرياضي محمود خوام أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التخطيط واعتماد المنتخب على "اللحظات العاطفية" لصناعة النتائج، معتبرًا أن هذه اللحظات، رغم تأثيرها المؤقت، لا يمكن أن تؤسس لمشروع كروي مستدام.
وقال إن كرة القدم السورية أنتجت عبر تاريخها لاعبين مميزين حققوا نجاحات لافتة في الاحتراف الخارجي، مثل عمر السومة وجهاد الحسين وفراس الخطيب ومحمد المواس وغيرهم، إلا أن هذا النجاح الفردي لم ينعكس على مستوى المنتخب بالشكل المطلوب، نتيجة غياب بيئة كروية متكاملة داخليًا. اللاعب السوري المحترف خارج البلاد يكتسب خبرة في بيئة احترافية متقدمة، لكنه عندما يعود إلى المنتخب يصطدم بواقع يفتقر إلى الأساسيات الضرورية لنجاح أي مشروع كروي.
ضعف البنية التحتية
تعاني كرة القدم السورية من ضعف واضح في البنية التحتية الرياضية، سواء على مستوى الملاعب أو مراكز التدريب أو منظومات إعداد اللاعبين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى التطور الفني للمنتخبات الوطنية. غياب التجهيزات الحديثة يحدّ من قدرة اللاعب على التطور المستمر، ويجعل عملية صناعة لاعب محترف أكثر صعوبة، مقارنة بالدول التي تمتلك منظومات تدريب متكاملة.
وأشار المدرب نزار محروس إلى أن ضعف البنية التحتية، وعدم استقرار منظومة العمل داخل اتحاد كرة القدم، وغياب المنهجية والاحترافية، جميعها عوامل انعكست سلبًا على المنتخب الوطني. ويرى محمود خوام أن تأثير غياب البنية التحتية لا يقتصر على المنتخب الأول، بل يمتد إلى جذور اللعبة نفسها، معتبرًا أن بناء منتخب منافس دون قاعدة رياضية متكاملة أمر غير ممكن.
هشاشة الدوري المحلي
يُنظر إلى الدوري السوري لكرة القدم باعتباره الحلقة الأضعف في منظومة اللعبة، في ظل تراجع واضح على المستويات الفنية والتنظيمية، وغياب الاستقرار الإداري والفني داخل الأندية. هذا الواقع جعل الدوري عاجزًا عن لعب دوره الطبيعي كمصدر أساسي لتغذية المنتخب الوطني باللاعبين الجاهزين، باستثناء بعض الحالات الفردية التي تعتمد على الموهبة أكثر من الاعتماد على منظومة تطوير واضحة.
ووصف خوام مستوى الدوري السوري بأنه متدنٍ جدًا من مختلف الجوانب، مشيرًا إلى غياب الأفكار الفنية الواضحة، واستمرار العشوائية في الأداء والتخطيط. هذه البيئة لا تساعد على تطوير لاعب قادر على المنافسة خارجيًا، بل تجعل الدوري مجرد مرحلة انتقالية قصيرة في مسار اللاعب قبل البحث عن فرص خارجية.
الاستفادة من التجارب العربية
تفتح الإخفاقات المتكررة باب المقارنة مع منتخبات عربية نجحت خلال السنوات الأخيرة في تحقيق نقلات نوعية، مثل المنتخب المغربي الذي بلغ نصف نهائي كأس العالم 2022، والمنتخبين الأردني والعراقي اللذين حجزا مقعديهما في نهائيات كأس العالم 2026. جاء ذلك بعد مسار تصاعدي اعتمد على تطوير العمل الإداري والفني، والاستفادة من اللاعبين المحترفين، إلى جانب الاستثمار في الفئات العمرية.
يرى الصحفي مازن الريس أن تأهل منتخبي الأردن والعراق جاء نتيجة بدء مسار إصلاحي مدروس، تزامن مع زيادة عدد المنتخبات المشاركة في البطولة. وأشار إلى أن المنتخب السوري بقي بعيدًا عن المنافسة بسبب استمرار حالة التخبط الإداري والفني.
الاستثمار في المواهب
يشكل تطوير الفئات العمرية الركيزة الأساسية لأي مشروع يسعى إلى بناء كرة قدم قادرة على المنافسة. الاستثمار في إعداد اللاعبين منذ الصغر، وفق خطط علمية مستدامة، هو الخطوة الأولى نحو صناعة أجيال قادرة على تمثيل المنتخبات والأندية بأفضل صورة وتحقيق النجاح على المدى البعيد.
أكد المدرب الوطني طارق جبان أن تطوير كرة القدم السورية لا يمكن أن يتحقق دون بناء منظومة علمية متكاملة لإعداد اللاعبين في الفئات العمرية، مشددًا على أن مرحلة التأسيس تمثل الركيزة الأساسية لنجاح المنتخبات الوطنية في المستقبل. وانتقد جبان واقع العمل في الفئات العمرية السورية، معتبرًا أنه يفتقر إلى التخطيط العلمي والاستمرارية.
أكاديميات تعاني من الفوضى
يبقى تطوير أكاديميات كرة القدم أحد أبرز التحديات أمام النهوض بالكرة السورية، باعتبارها القاعدة الأساسية لاكتشاف المواهب وصقلها، إلا أن غياب التنظيم والدعم الفني والتشريعي لا يزال يحد من قدرتها على رفد الأندية والمنتخبات الوطنية باللاعبين القادرين على صناعة الفارق. وأكد الصحفي الرياضي أنس عمو أن واقع أكاديميات كرة القدم في سوريا "سيء جدًا"، مشددًا على أن هذا القطاع يحتاج إلى تنظيم ودعم وتشريعات واضحة.
أبرز محطات المنتخب السوري في تصفيات كأس العالم:
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة