رحيل إبراهيم الأخرس: صوت الربابة الذي حمل ذاكرة الفرات إلى الأجيال


هذا الخبر بعنوان "رحيل إبراهيم الأخرس.. صوت الربابة الذي حمل ذاكرة الفرات إلى الأجيال" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في رحيل مؤثر، ودعت الأغنية الشعبية السورية أحد أبرز أصواتها التراثية، الفنان إبراهيم الأخرس، عن عمر يناهز 72 عامًا. امتدت مسيرته الفنية لعقود، ارتبط خلالها اسمه بالأغنية الفراتية والتراث الشعبي في محافظة الرقة والمناطق الشرقية من سوريا. أثار خبر وفاة الأخرس حزنًا عميقًا بين أبناء الرقة والمهتمين بالفن الشعبي، الذين استعادوا عبر منصات التواصل الاجتماعي مسيرته الطويلة ودوره في الحفاظ على لون غنائي ارتبط بذاكرة المجتمع الفراتي وعاداته وتقاليده.
لم يكن إبراهيم الأخرس مجرد مؤدٍ للأغاني الشعبية، بل كان صوتًا حمل تفاصيل الحياة اليومية في منطقة الفرات إلى المستمعين، عبر أغانٍ تناولت الأرض، الغربة، الحب، الفقد، والحنين، بالإضافة إلى الأغاني المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية والأفراح، التي شكلت جزءًا من الذاكرة الجماعية لأبناء المنطقة.
صوت من بيئة الفرات
ينحدر الفنان الراحل من قرية كديران في ريف الرقة الغربي، وهي البيئة التي شكلت بدايات تجربته الفنية. نشأ في مجتمع غني بالحكايات والأهازيج والعادات الشعبية، حيث كانت الأغنية جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، سواء في الأعراس، المجالس الاجتماعية، أو المواسم الزراعية. من هذه البيئة استمد الأخرس أدواته الفنية، محافظًا على اللهجة المحلية والمفردات المرتبطة بحياة الناس في الريف الفراتي، مما منح أعماله حضورًا خاصًا بين أبناء المنطقة.
اعتمد الأخرس خلال مسيرته على الآلات الشعبية، ولا سيما الربابة التي أصبحت مرتبطة باسمه، حيث رافقته في حفلاته وجلساته الغنائية ومشاركاته في الفعاليات التراثية، ليصبح أحد أبرز من حافظوا على حضور هذه الآلة في المشهد الفني الشعبي. كما قدم الأخرس ألوانًا غنائية متعددة من التراث الفراتي، بينها (الموليا، العتابا، والنايل) وغيرها من الأنماط التي تناقلتها الأجيال شفهيًا، وأسهم من خلال أدائه في إبقائها حاضرة رغم تراجع حضور الفنون الشعبية أمام انتشار الأنماط الموسيقية الحديثة.
فنان بين الأصالة والتجديد
يرى متابعون لمسيرة إبراهيم الأخرس أنه لم يكتفِ بالحفاظ على الموروث الغنائي كما هو، بل حاول تقديمه بطريقة أقرب إلى الجمهور الجديد، من خلال إدخال بعض الآلات الحديثة إلى جانب الآلات التراثية. وقال زياد عباس الابراهيم، من دير الزور، إن الأخرس “كان رمزًا حقيقيًا للأصالة الفنية والهوية الفراتية، ونموذجًا للمطرب الشعبي الذي كرّس صوته لخدمة تراث بلده”. وأضاف أن الفنان الراحل “حظي بمحبة وتقدير كبيرين في قلوب أبناء المناطق الشرقية، بسبب وفائه للألوان الموسيقية الفراتية الأصيلة، مثل الموليا والعتابا، وتمسكه بها في وقت طغت فيه الأنماط الحديثة على المشهد الغنائي”. وأوضح الابراهيم أن أهمية الأخرس لم تكن في تقديم الأغاني فقط، بل في ارتباط صوته “بنبض الريف وقضايا الناس والارتباط بالأرض ووادي الفرات”، الأمر الذي منحه مكانة خاصة لدى المستمعين. واعتبر أن رحيل الأخرس يمثل “خسارة كبيرة للوسط الفني الشعبي”، وأن الأعمال التي تركها ستكون “مرجعًا مهمًا للأجيال القادمة المهتمة بالموسيقى التراثية”.
سفير الأغنية الرقية
بدوره، قال الشاعر محمد الحسن، من أبناء محافظة الرقة، إن خبر وفاة إبراهيم الأخرس كان “فاجعة لأهالي الرقة عمومًا وللمهتمين بالإرث الشعبي والموروث الثقافي بشكل خاص”. ووصف الحسن الأخرس بأنه “أحد آخر شخصيات الجيل القديم الذي أسس للحالة الفنية الشعبية الموجودة في محافظة الرقة”، مشيرًا إلى أنه كان من أوائل من نقلوا التراث الغنائي المحلي إلى مساحات أوسع. وأوضح أن الأخرس “كان من أوائل الذين قدموا التراث الشعبي باستخدام آلات حديثة مثل الأورغ، مع المحافظة على حضور الآلات القديمة كالربابة والزمارة والدف”، معتبرًا أنه أسهم في تطوير الأغنية الشعبية الرقية من دون أن يفقدها هويتها الأساسية. وأشار الحسن إلى مشاركة الأخرس مع فرقة الرقة للفنون الشعبية، مبينًا أن تلك المشاركات ساعدت في إيصال الموروث الفني للمنطقة إلى مهرجانات خارج سوريا، ليصبح صوتًا يمثل الرقة وتراثها أمام جمهور أوسع. وقال إن الأخرس “كان سفيرًا للأغنية الشعبية الرقية”، لأنه نقل هذا اللون الفني إلى خارج المنطقة، مع الحفاظ على الكلمات والقوالب الأساسية للأغاني التراثية. وأضاف أن من أبرز ما ميز الفنان الراحل “نبرة صوته الخاصة وخامته القوية”، التي جعلت له حضورًا مختلفًا بين المطربين الشعبيين، لافتًا إلى أن أبناءه الفنانين أحمد إبراهيم الأخرس ومحمد إبراهيم الأخرس واصلوا حمل جزء من هذا الموروث، وإن بأساليب أكثر حداثة.
تراجع حضور الفن الفراتي
في الحسكة، رأى المواطن رجب الصالح أن رحيل إبراهيم الأخرس يمثل خسارة لصوت من الأصوات التي حافظت على هوية المنطقة وثقافتها الشعبية. وقال الصالح إن الأخرس “كان فنانًا أصيلًا حافظ على لون غنائي يمثل أهل الفرات، وكانت أغانيه مرتبطة بالناس والأرض والمناسبات التي عاشها أبناء المنطقة”. وأضاف أن ما ميز الأخرس هو قدرته على تقديم الأغنية الشعبية بطريقة تصل إلى مختلف الفئات، مع الحفاظ على روح التراث، مشيرًا إلى أن صوت الربابة والأغاني الفراتية كانت حاضرة بقوة في حياة الناس سابقًا. وأشار الصالح إلى أن الفن الفراتي يشهد تراجعًا مع الأجيال الجديدة، بسبب تغير أنماط الاستماع وانتشار الألوان الموسيقية الحديثة، وقلة الاهتمام بتعلم الآلات الشعبية أو حفظ الأغاني القديمة. وقال إن كثيرًا من الشباب اليوم “لم يعودوا يعرفون أسماء الكثير من الأغاني والمواويل التي كانت جزءًا من حياة آبائهم وأجدادهم”، معتبرًا أن غياب فنانين من أمثال إبراهيم الأخرس يزيد من صعوبة الحفاظ على هذا التراث. ودعا الصالح إلى الاهتمام بالفنون الشعبية وتوثيقها، سواء عبر تسجيل أعمال الفنانين القدامى أو دعم الفرق التراثية، حتى لا تضيع ذاكرة المنطقة مع مرور الوقت.
إرث يتجاوز الغناء
ترك إبراهيم الأخرس وراءه رصيدًا فنيًا ارتبط بمرحلة طويلة من تاريخ الأغنية الشعبية في الرقة والفرات، حيث كانت الأغنية وسيلة لحفظ القصص والمشاعر والعلاقات الاجتماعية، ونقل تفاصيل الحياة من جيل إلى آخر. ومع رحيله، يفقد المشهد الشعبي السوري أحد الأصوات التي جمعت بين المحافظة على التراث ومحاولة تقديمه بأسلوب يناسب مراحل زمنية مختلفة، في وقت تواجه فيه الفنون الشعبية تحديات كبيرة نتيجة تغير الذائقة الفنية وتراجع حضورها بين الأجيال الجديدة. ويبقى إرث الأخرس، بما يحمله من أغانٍ ومواويل وألحان، جزءًا من الذاكرة الثقافية لمنطقة الفرات، وصوتًا يستعيد من خلاله أبناء المنطقة جانبًا من تاريخهم وتفاصيل حياتهم اليومية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة