الرقة: اختبار الدولة الجديدة في بناء الثقة والمؤسسات بعد إرث النفوذ


هذا الخبر بعنوان "الرقة واختبار الدولة الجديدة.. من إرث النفوذ إلى بناء المؤسسة في سوريا ما بعد الأسد" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عندما يُثار الحديث عن بناء الدولة في سوريا ما بعد الأسد، فإن التحدي يتجاوز مجرد تغيير السلطة أو إعادة تفعيل المؤسسات. إنه يكمن في طبيعة العلاقة التي ستتشكل بين الدولة والمجتمع. فالدولة لا تُقاس بمدى فرضها لسيطرتها، بل بكفاءة مؤسساتها، والتزامها بالقانون، ومسؤوليتها أمام المواطنين، وشعور هؤلاء بأنها تمثلهم وتحمي حقوقهم. يزداد هذا الاختبار أهمية في المناطق التي عانت طويلاً من الحرب وتعدد سلطات الأمر الواقع. ففي هذه المناطق، لا يكفي استعادة السيطرة الإدارية أو فتح المؤسسات، بل يكمن التحدي الأكبر في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتحويل المؤسسة العامة من ساحة تتأثر بموازين القوة والنفوذ إلى إطار قائم على الخدمة والحقوق المتساوية.
تُعد محافظة الرقة مثالاً بارزاً على هذه التحولات. فهي لا تواجه فقط آثار الدمار الحربي، بل تحمل إرثاً معقداً من تجارب حكم مختلفة أعادت تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع وفق منطق السيطرة والولاء، وإن اختلفت المرجعيات والشعارات. الرقة، التي شهدت خلال العقد الأخير انتقالها بين سلطات أمر واقع متعددة، لم تختبر فقط تبدل الجهات المسيطرة، بل اختبرت أيضاً معنى المؤسسة ودورها. لذا، فإن السؤال المحوري للمرحلة الجديدة لا يتعلق بمن يحكم المحافظة، بل بكيفية الحكم: هل تنجح الدولة الجديدة في بناء مؤسسات تتجاوز إرث النفوذ، أم تعيد إنتاجه بأدوات جديدة؟
تتمتع الرقة بخصوصية اجتماعية وجغرافية تجعل إدارتها مختلفة عن غيرها من المناطق السورية. فهي مدينة رئيسية في الجزيرة السورية، يتداخل فيها المجتمع عبر عقود بين المدينة وريفها، حيث تلعب العلاقات العائلية والعشائرية دوراً مؤثراً. هذا لا يعني اختزال المجتمع الرقي بهذه البنية، بل الإشارة إلى أن أي مشروع إداري ناجح يجب أن يفهم خصوصية المجتمع المحلي ويستفيد من خبراته، بدلاً من التعامل معه كمساحة جغرافية تحتاج إلى إدارة فحسب. التحولات التي شهدتها الرقة منذ عام 2013، بدءًا من خروج النظام، مروراً بسيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، وصولاً إلى مراحل الإدارة اللاحقة، تركت آثاراً عميقة على بنية المجتمع وعلاقته بالمؤسسات. لذا، ستكون إعادة بناء الثقة أحد أكبر تحديات المرحلة المقبلة.
إرث النفوذ قبل الحرب وبعدها
لا يمكن فهم أزمة المؤسسة في الرقة من خلال سنوات الحرب فقط، بل يجب العودة إلى نموذج الحكم الذي ساد في سوريا لعقود، حيث تداخلت مؤسسات الدولة تدريجياً مع البنية السياسية والأمنية للسلطة، مما أضعف استقلاليتها وأبعدها عن دورها الطبيعي كإطار لخدمة المواطنين. في عهد النظام السوري السابق، ارتبطت مؤسسات الدولة بدرجات متفاوتة بشبكات الولاء السياسي والحزبي والأمني، وكان حزب البعث العربي الاشتراكي والأجهزة الأمنية وشبكات النفوذ المرتبطة بالسلطة من أبرز العوامل المؤثرة في الإدارة العامة. مع مرور الوقت، تحولت بعض المؤسسات من فضاءات يفترض أن تقوم على القانون والكفاءة إلى مساحات تتأثر بالقرب من مراكز القرار والقدرة على إثبات الولاء. أصبحت العلاقات الشخصية والسياسية حاضرة إلى جانب المعايير المهنية في العديد من المفاصل الإدارية. لم يقتصر أثر هذا النموذج على طريقة إدارة المؤسسات، بل امتد إلى تصور المجتمع نفسه لفكرة الدولة؛ إذ ترسخت لدى شرائح واسعة قناعة بأن الوصول إلى المسؤول أو صاحب النفوذ قد يكون أكثر فاعلية من الاحتكام إلى المؤسسة، مما أضعف الثقة بالقواعد العامة ورسخ علاقة غير متوازنة بين المواطن والسلطة. لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه الرقة اليوم لا يتمثل فقط في إعادة الإعمار أو تغيير المسؤولين، بل في إعادة بناء مفهوم المؤسسة ذاته، بحيث تستمد شرعيتها من الاختصاص والقانون والمساءلة، لا من القرب من مراكز القوة.
“داعش” و”قسد”: اختلاف المرجعيات واستمرار اختبار المؤسسة
بعد عام 2014، دخلت الرقة مرحلة جديدة مع سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) على المدينة واتخاذها مركزاً لمشروعه الذي أعلنه تحت اسم “الخلافة”. مثّل التنظيم نموذجاً مختلفاً جذرياً من حيث المرجعية الأيديولوجية والبنية التنظيمية، لكنه أبقى على نمط يقوم على إخضاع المجال العام لرؤية السلطة المسيطرة. أعاد داعش تعريف مفهوم المؤسسة وفق منظوره الخاص، فلم تعد المؤسسات العامة أطرًا محايدة لإدارة شؤون المجتمع، بل أصبحت جزءاً من مشروعه الفكري والتنظيمي. أصبح الانتماء إلى التنظيم والالتزام بتصوراته العقائدية معياراً أساسياً للوصول إلى مواقع التأثير، على حساب الخبرة والكفاءة. لم يقتصر أثر هذه المرحلة على طبيعة الإدارة، بل امتد إلى علاقة المجتمع بالمؤسسة؛ إذ رسّخ التنظيم نموذجاً يقوم على الطاعة والامتثال، وربط المشاركة في المجال العام بالانتماء الفكري والعقائدي، مما أدى إلى تعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسة، وتحويل المجال العام إلى مساحة تخضع لمعايير الجماعة الحاكمة.
بعد انتهاء سيطرة “داعش” على الرقة عام 2017، دخلت المحافظة مرحلة جديدة تحت إدارة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والجهات المدنية المرتبطة بها. بدا النموذج مختلفاً من حيث الشكل، عبر إنشاء مجالس وهيئات مدنية ومحاولة إعادة تشغيل الخدمات والمؤسسات في مدينة أنهكتها الحرب. لكن التحدي لم يكن في تشكيل الهياكل الإدارية فقط، بل في طبيعة العلاقة التي ستنشأ بينها وبين المجتمع المحلي؛ فالمؤسسة لا تكتسب شرعيتها بمجرد وجودها، بل بقدرتها على العمل وفق قواعد واضحة، وتحقيق المشاركة، وضمان الشفافية، والاستناد إلى معايير الكفاءة. في هذا السياق، واجهت تجربة الإدارة القائمة في الرقة انتقادات تتعلق بضعف التمثيل المحلي في بعض مواقع القرار، وارتباط بعض مفاصل الإدارة بالاعتبارات السياسية والتنظيمية، إضافة إلى ملفات تتعلق بالمحسوبيات وغياب الشفافية في بعض الجوانب الإدارية. لا يعني ذلك تطابق هذه التجارب في طبيعتها أو أهدافها؛ فلكل مرحلة سياقها السياسي والأيديولوجي الخاص. إلا أن تجربة الرقة تكشف إشكالية أوسع تتعلق بعلاقة السلطة بالمؤسسة، ومدى قدرة أي نموذج حكم على بناء إدارة مستقلة عن مراكز النفوذ. فالنظام السابق ربط المؤسسة بشبكات الولاء الحزبي والأمني، بينما جعل داعش الانتماء العقائدي أساساً للقبول داخل منظومته. أما تجربة “قسد” فقد استندت إلى مشروع سياسي وتنظيمي خاص انعكس على طبيعة الإدارة والبنية التي قامت عليها. ورغم اختلاف المرجعيات والأدوات، فإن التجربة التي مرت بها الرقة خلال هذه المراحل تشير إلى أن بناء الدولة لا يرتبط فقط بتغيير الجهة التي تدير المؤسسات، بل بقدرة هذه المؤسسات على تجاوز منطق التبعية، والعمل وفق قواعد ثابتة تجعل القانون والكفاءة والمواطنة أساساً لعملها.
الحكومة الجديدة واختبار القطيعة مع الماضي
مع دخول سوريا مرحلة جديدة بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تواجه الحكومة الجديدة اختباراً مختلفاً في الرقة؛ فالتحدي لا يتعلق فقط باستعادة إدارة المحافظة أو إعادة تشغيل مؤسساتها، بل بقدرتها على تقديم نموذج حكم يتجاوز التجارب السابقة. فالقطيعة مع الماضي لا تتحقق بمجرد تغيير المسؤولين أو إعادة تشكيل الهياكل الإدارية، بل من خلال بناء قواعد جديدة تجعل المؤسسة قائمة على الاختصاص والكفاءة والشفافية، وتعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الحقوق والواجبات. فالدولة تستعيد حضورها عندما يشعر المواطن بأن حصوله على الخدمات والحقوق لا يعتمد على القرب من مراكز النفوذ أو طبيعة العلاقات الشخصية، بل يخضع لقواعد واضحة ومؤسسات تعمل بعدالة.
يُعد ملف التمثيل المحلي أحد أبرز اختبارات المرحلة المقبلة في الرقة. فالمحافظة تمتلك عدداً كبيراً من أصحاب الاختصاص والخبرة في المجالات الإدارية والأكاديمية والمهنية، إلا أن التحدي يتمثل في إيجاد صيغة تضمن الاستفادة من هذه الطاقات ضمن إطار مؤسساتي وطني. لا يتعلق الأمر بمطلب مناطقي أو دعوة إلى المحاصصة، بل بقدرة الدولة على استثمار مواردها البشرية في مختلف المحافظات. فالإدارة الناجحة لا تقوم على إقصاء المجتمع المحلي، كما لا تقوم على تحويل المؤسسات إلى امتداد لنفوذ محلي، بل على الجمع بين الخبرة الوطنية والمعرفة المحلية. سيظهر نجاح الإدارة الجديدة في الملفات التي تمس حياة المواطنين مباشرة؛ فالمعيار الحقيقي لن يكون فقط إعادة تشغيل المؤسسات، بل قدرتها على تحسين الخدمات، وإدارة الموارد بكفاءة، والحد من المحسوبية، وبناء علاقة مختلفة بين المواطن والمؤسسة. السنوات الماضية تركت مجتمعاً مثقلاً بتجارب متعددة من الحكم والسلطات المتعاقبة، ولذلك فإن استعادة الثقة لن تتحقق عبر الخطابات السياسية، بل من خلال ممارسة يومية يشعر فيها المواطن بأن المؤسسة تعمل لصالحه وتحمي حقوقه. هنا يكمن الاختبار الأساسي للحكومة الجديدة في الرقة: قدرتها على بناء نموذج مؤسساتي يجعل الدولة مرجعاً للجميع، ويمنع إعادة إنتاج العلاقة القديمة بين السلطة والمجتمع بأدوات جديدة.
التنمية والاقتصاد: اختبار الدولة في تحويل الموارد إلى فرص
لا يمكن فصل بناء الدولة في الرقة عن واقعها الاقتصادي والاجتماعي، فالمؤسسات لا تعمل في فراغ، بل ضمن مجتمع يحتاج إلى فرص حقيقية للاستقرار والتنمية. لذا، فإن نجاح أي مشروع إداري لا يُقاس فقط بقدرته على إدارة الملفات اليومية، بل بقدرته على خلق بيئة تسمح للمجتمع باستعادة دوره الإنتاجي والمشاركة في بناء المستقبل. لقد تركت سنوات الحرب آثاراً عميقة على اقتصاد المحافظة، من دمار واسع في البنية التحتية، وتراجع النشاط التجاري، وضعف فرص العمل، إلى تراجع القدرة الإنتاجية في قطاعات أساسية. كما فرضت التحولات السكانية وحالات النزوح ضغوطاً إضافية على الخدمات والموارد. رغم أن الرقة تُعد من أهم المناطق الزراعية في سوريا، فإن هذا القطاع لم يتحول تاريخياً إلى قاعدة اقتصادية متكاملة قادرة على تحقيق تنمية مستدامة. بقي الإنتاج الزراعي يعتمد بصورة أساسية على المواد الأولية، من دون تطوير كافٍ للصناعات التحويلية المرتبطة به، مما حرم المحافظة من جزء كبير من القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تحققها مواردها. لا تكمن المشكلة في غياب الإمكانات؛ فالرقة تمتلك أراضي زراعية واسعة، وموارد بشرية مهمة، وموقعاً جغرافياً يؤهلها للعب دور اقتصادي محوري في الجزيرة السورية. إلا أن الاستفادة من هذه المقومات تحتاج إلى سياسات واضحة تربط بين الإنتاج الزراعي والتصنيع والاستثمار وسوق العمل. يرتبط الاقتصاد ببناء المؤسسات ارتباطاً مباشراً؛ فالإدارة القادرة على التخطيط والرقابة والشفافية تستطيع حماية الموارد وتوجيهها نحو التنمية، بينما يؤدي ضعف المؤسسات إلى فتح المجال أمام الاحتكار وتحويل النشاط الاقتصادي إلى مساحة نفوذ. لذلك، فإن إعادة بناء الرقة لا ينبغي أن تقتصر على إعادة تأهيل المنشآت أو تشغيل الدوائر الحكومية، بل تحتاج إلى رؤية تنموية طويلة الأمد تجعل من موارد المحافظة قاعدة للنمو، وتمنح السكان شعوراً بأن مستقبلهم مرتبط بنجاح مؤسسات الدولة وقدرتها على توفير فرص حقيقية.
الرقة وفرصة التحول الاجتماعي
تواجه الرقة اليوم تحدياً يتجاوز إعادة بناء المؤسسات، إذ يتعلق بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات طويلة من الحرب وتعدد سلطات الأمر الواقع. فالمجتمعات التي مرت بتجارب متكررة من الإقصاء وتبدل السلطات تصبح أكثر حساسية تجاه أي نموذج جديد لا تشعر بأنها جزء منه. لذا، فإن الاستقرار لا يمكن أن يقوم على الإدارة وحدها، بل يحتاج إلى مشاركة مجتمعية تجعل السكان شركاء في صياغة المرحلة المقبلة. تملك الرقة طاقات واسعة في المجالات الأكاديمية والمهنية والإدارية، إلا أن الاستفادة من هذه الطاقات تتطلب الانتقال من التعامل مع المجتمع باعتباره موضوعاً للإدارة إلى اعتباره شريكاً في بناء الدولة. المشاركة المحلية لا تعني تحويل المؤسسات إلى ساحات نفوذ مناطقي أو فئوي، كما أن وحدة الدولة لا تعني إبعاد المحافظات عن المشاركة. فالتحدي يكمن في بناء صيغة متوازنة تجمع بين حضور الدولة وخصوصية المجتمع المحلي، بحيث تستفيد المؤسسات الوطنية من الخبرات المتوفرة داخل كل محافظة. نجاح المرحلة المقبلة في الرقة سيعتمد على قدرة المؤسسات على تجاوز إرث السنوات الماضية، وبناء علاقة جديدة مع المجتمع تقوم على الثقة والشفافية والشعور بالمشاركة، لا على الحذر والانتظار.
اختبار الدولة
تمثل الرقة اليوم اختباراً يتجاوز حدود إعادة الإعمار أو إعادة تنظيم الإدارة؛ فهي تختبر قدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من إرث النفوذ إلى بناء المؤسسة. النجاح الحقيقي لن يكون في استبدال سلطة بأخرى، ولا في إعادة إنتاج المؤسسات بالآليات ذاتها التي حكمت المراحل السابقة، بل في بناء نموذج مختلف يشعر فيه المواطن بأن الدولة تعمل من أجل حقوقه ومصالحه، وأن المؤسسات ليست امتداداً لمراكز القوة والنفوذ. المؤسسة القائمة على القانون والكفاءة والمساءلة هي القادرة على إعادة بناء الثقة وضبط العلاقة بين المجتمع والسلطة. مستقبل الرقة لن يتحدد فقط بقدرة الدولة على استعادة حضورها، بل بقدرتها على تحويل هذا الحضور إلى شرعية قائمة على المشاركة والعدالة والثقة. نجاح الدولة في الرقة يمكن أن يشكل نموذجاً أوسع لسوريا كلها؛ نموذجاً تنتقل فيه المؤسسة من كونها أداة للسلطة إلى إطار وطني يحمي حقوق المجتمع، ويجعل المواطنة أساس العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد