صفقة نووية مدنية بين أمريكا والسعودية: تحليل معمق لثلاثة أسباب تصب في صالح واشنطن


هذا الخبر بعنوان "3 أسباب تصب بصالح أمريكا.. تحليل معمق لصفقة السعودية النووية" نشر أولاً على موقع CNN بالعربية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تحليل بقلم الزميل ستيفن كولينسون لشبكة CNN، يعود صانع الاضطرابات الأمريكي الكبير في الشرق الأوسط ليخوض مغامرة جديدة. الاتفاق النووي المدني الجديد الذي وُقِّع مع المملكة العربية السعودية يوم الأربعاء يجسد فلسفة الرئيس دونالد ترامب في الحكم. بادئ ذي بدء، إنها "صفقة"، تلك الصيغة التجارية الشهيرة التي تشكل جوهر السياسة الخارجية لترامب، بل ومحور حياته بأكملها. وقد ينتهي المطاف بهذا الاتفاق ليصبح تجسيداً لاستعداد ترامب لتجاوز البروتوكولات والأعراف الدولية التي شكلت ركائز النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة. ومن خلال إدخال عامل جديد من عدم الاستقرار إلى منطقة قابلة للانفجار، يُظهر ترامب ميله للمخاطرة الجيوسياسية الكبيرة، حتى في الوقت الذي تبدو فيه مغامرته السابقة بشأن إيران وكأنها تخرج عن السيطرة. إنه أسلوب ترامب بامتياز: فسواء كان يسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط أو تجديد البيت الأبيض، فإنه يتصرف دون دراية مسبقة بما سيحدث لاحقاً حين تستقر الأمور وتتضح النتائج.
يُحتمل أن يساعد هذا الاتفاق -الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات ويمتد لثلاثين عاماً- المملكةَ في بناء قدرات لتخصيب اليورانيوم. وتعتبر الإدارة الأمريكية هذا الاتفاق مكسباً على عدة أصعدة: باعتباره اتفاقاً يفي بأعلى معايير منع الانتشار النووي، وباعتباره دفعة هائلة لقطاع الصناعة النووية الأمريكي، وباعتباره تعزيزاً للعلاقات مع حليف حيوي.
لقد كانت واشنطن تمهد الطريق لإبرام اتفاق نووي مدني مع السعوديين منذ عقد على الأقل، رغم أن إدارة بايدن كانت تبدو أقرب لطلب شروط أكثر صرامة. ولو لم تبرم الولايات المتحدة هذا الاتفاق، لكان منافسون -مثل الصين- سيسارعون لاقتناص هذه الصفقة مع المملكة، مما كان سيمنحهم موطئ قدم جيوسياسيا خاصاً بهم. وصرح وزير الطاقة كريس رايت لقناة "فوكس بيزنس"، الأربعاء، قائلاً: "لقد تمحور الشرق الأوسط في أجندة الرئيس ترامب حول التجارة، لا الصراع".
غير أن المنتقدين - بمن فيهم كثيرون في إسرائيل - يخشون أن تؤدي هذه الاتفاقية في نهاية المطاف إلى تمكين السعودية من تخصيب اليورانيوم بدرجات نقاء عالية تكفي لصنع قنبلة نووية، مما قد يشعل سباق تسلح إقليمياً. وتؤكد الرياض أنها لن تسعى لامتلاك سلاح نووي ما لم تقدم إيران على ذلك؛ إلا أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تدفع دولاً مثل مصر أو تركيا إلى أن تحذو حذوها.
لقد أُبرمت الاتفاقية الأمريكية السعودية بموجب قانون أمريكي يسمح بنقل التكنولوجيا النووية الأمريكية مع منع انتشار الأسلحة النووية. وأعلنت وزارة الطاقة، الأربعاء، أن الاتفاقية تتضمن ترتيباً ثنائياً للضمانات؛ وهو ما بدا تأكيداً لتقارير تفيد بأن السعودية قد لا تكون ملزمة بالانضمام إلى "البروتوكول الإضافي" التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يفرض تدابير رقابة وتفتيش أكثر صرامة وتوغلاً. ومن شأن ذلك أن يخلق سابقة تتيح لقوى أخرى الالتفاف على القيود الدولية أثناء سعيها لإبرام اتفاقياتها النووية الخاصة - ربما مع خصوم للولايات المتحدة - وإفراغ الضمانات النووية من مضمونها.
وفي هذا السياق، قالت مديرة سياسات عدم الانتشار في "رابطة الحد من التسلح"، كيلسي دافنبورت: "لقد كان الاتفاق بحد ذاته متهوراً وغير مسؤول، إلا أن تداعياته الأوسع نطاقاً قد تستمر لسنوات قادمة". وقال مدير السياسات الأول في "مركز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي" جون إيراث إن غياب بروتوكولات الوكالة الدولية للطاقة الذرية القياسية — التي كانت مدرجة في اتفاق نووي مدني أمريكي أُبرم مؤخراً مع دولة الإمارات العربية المتحدة — قد يشكل "مشكلة كبيرة للغاية". وصرح للزميل بشبكة CNN ، جيم شوتو، بأن هذه المعايير ضرورية لضمان "عدم انخراط المملكة العربية السعودية في أنشطة تخصيب قد تؤدي إلى امتلاك قدرات لإنتاج أسلحة نووية".
الاتفاق مع السعودية يضفي حالة جديدة من عدم اليقين على المنطقة في ظل تصاعد الحرب مع إيران. كما أن توقيت الاتفاق يثير التساؤلات؛ إذ يتزامن مع أحدث خطوات التصعيد التي اتخذها الرئيس ترامب في الحرب ضد إيران، وهي الحرب التي يبررها بضرورة منع طهران من حيازة قنبلة نووية. وتأمل الإدارة الأمريكية أن يسهم الاتفاق في ترجيح كفة ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة بشكل أكبر من خلال تعزيز العلاقات مع السعودية. غير أن هذا الاتفاق — عبر الإيحاء بأن حلفاء الولايات المتحدة يملكون الحق في تخصيب اليورانيوم بينما يُحرم أعداؤها من ذلك — قد يفرض ضغوطاً هائلة على الاتفاقيات الدولية لمنع الانتشار النووي، ويدفع إيران للبحث عن شركاء جدد لها. وكانت مهمة التفاوض على اتفاق نووي مع إيران محفوفة بالمخاطر أصلاً. وربما زادت الإدارة الأمريكية الأمر صعوبةً بموافقتها على اتفاق مع السعوديين يمتد لسنوات قادمة، لأن إيران ستطالب حتماً بامتيازات تخصيب مماثلة.
إن الاتفاق السعودي ليس المرة الأولى التي يُقدم فيها ترامب على مخاطرة في الشرق الأوسط دون أن يكون قادراً على فهم تداعياتها في السنوات المقبلة. وغالباً ما يبدو ميله إلى التخلي عن الأعراف القائمة، وتجاهل الاتفاقات الدولية، واتباع نهجٍ مُزعزع للاستقرار، وكأنه غاية في حد ذاته. ويبدو أن الرئيس يفتخر أيضاً بفعل عكس ما فعله أسلافه تماماً. وسعت معظم الإدارات الرئاسية الحديثة إلى تجنب الحرب مع إيران، في حين مزّق ترامب الاتفاق الدولي الذي كان يقيّد برنامجها النووي، واغتيل قائد فيلق القدس (المسؤول عن الأمن القومي) قاسم سليماني خلال ولايته الأولى، وقصف منشآتها النووية العام الماضي، ثم شن حرباً شاملة ضد الجمهورية الإسلامية في شهر فبراير. كما خلصت الإدارات الحديثة إلى أن السبيل الأمثل لضمان أمن إسرائيل يكمن في الدفع نحو حل الدولتين مع الفلسطينيين، غير أن ترامب منح الإسرائيليين المجال للقضاء على هذا الطموح من خلال سياسات متشددة في قطاع غزة والضفة الغربية.
تعهد ترامب هذا العام بإلغاء التصنيف الأمريكي لسوريا كدولة راعية للإرهاب -وهو تصنيف فُرض لأول مرة عام 1979- معتمداً في ذلك على صداقته مع الرئيس الجديد للبلاد، أحمد الشرع، الذي كان يتزعم سابقاً جماعة تابعة لتنظيم القاعدة. وقد رأى منتقدون أنه كان ينبغي على ترامب استغلال تغيير هذا التصنيف للضغط من أجل إقرار إصلاحات سياسية وفي مجال حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب.
كما كسر ترامب القوالب التقليدية في التعامل مع المملكة العربية السعودية؛ فلطالما تعامل الرؤساء الأمريكيون بحذر شديد ودقة بالغة (في توازن دبلوماسي دقيق) مع المملكة ودول الخليج الأخرى، التي تُعد حلفاء حيويين للولايات المتحدة لكنها تنتهج سياسات قمعية تتعارض مع القيم الديمقراطية. في المقابل، يبدي ترامب إعجاباً صريحاً بالحكام العرب الأقوياء، ويرى في دولهم الغنية والصاعدة منجماً للفرص التجارية التي تمتلك فيها عائلته مصالح اقتصادية كبيرة.
لماذا يرى فريق ترامب فضيلةً في خوض المخاطر؟ يرى مؤيدو ترامب -عن حق- أن عقوداً من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط قد فشلت في تحقيق الاستقرار، ويشددون على أنه يتخذ خطوات ضرورية عجز الرؤساء السابقون عن اتخاذها. وفي هذا السياق، صرح وزير الدفاع بيت هيغسيث لأعضاء مجلس الشيوخ، الثلاثاء، بأن رئيسه يستحق الإشادة لامتلاكه "الشجاعة لضمان عدم حصول الإسلاميين المتطرفين (المجانين) على سلاح نووي يمكنهم استخدامه لابتزازنا أو تهديدنا". غير أن مخاطر هذا النهج تبدو واضحة في حالة إيران؛ إذ تُسهم الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في الخروج من حربٍ سبق أن أعلن ترامب الانتصار فيها مراراً، في تفسير سبب تردد أسلافه في الانخراط المباشر في صراع شامل. ويتهم منتقدون من الحزب الديمقراطي الرئيسَ بتجاهل عوامل سياسية وتاريخية وأيديولوجية كانت تشير دائماً إلى أن إيران لن ترضخ للضغوط الأمريكية؛ ويبدو أن ترامب لم يطرح تساؤلات جوهرية عما قد يعقب أي هجوم أمريكي، بما في ذلك احتمالية سعي طهران لإغلاق مضيق هرمز.
ويعكس هذا الصراع نمطاً متكرراً، يتمثل في أن الخطط التي تُوضع في واشنطن غالباً ما تتعثر وتفشل عند اصطدامها بواقع الشرق الأوسط. ورغم أن ترامب وأعضاء إدارته يتمتعون بعلاقات قوية مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلا أن علاقات واشنطن بالمملكة قد لا تظل دائماً بهذه القوة؛ إذ لا يوجد ما يضمن ألا تقع البلاد في أيدي حكام أكثر تشدداً في العقود المقبلة، في منطقة كثيراً ما تعاني من عدم الاستقرار بسبب الجماعات الإسلامية المتطرفة. ويثير هذا الأمر قلقاً خاصاً في ظل وجود برامج نووية في المعادلة؛ حيث يقول دافنبورت إن "الشريك الحالي للولايات المتحدة ليس بالضرورة شريكاً لها في المستقبل؛ لذا، فبمجرد نقل التكنولوجيا، لا يمكن للولايات المتحدة أن تضمن احتفاظها بالسيطرة عليها". غير أن ترامب يبدو في الغالب غير مكترثٍ كثيراً بما سيحدث بعد مغادرته منصبه. وتكتسب إحدى العبارات المفضلة لدى الرئيس — "سنرى ما سيحدث" — دلالةً مثيرةً للقلق بشكل خاص في سياق الشرق الأوسط. قد يهمك أيضاً اتفاق نووي لـ30 عامًا بين أمريكا والسعودية.. وهذه أبرز تفاصيله
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة