لسان العرب: رحلة سبعة قرون في ذاكرة الحضارة العربية


هذا الخبر بعنوان "لسان العرب.. من معجم للكلمات إلى ذاكرة الحضارة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عصر السرعة الرقمية، حيث تكفي نقرة زر لمعرفة معنى كلمة، نعود بالزمن لأكثر من سبعة قرون إلى حقبة كان فيها جمع اللغة وإحصاء مفرداتها يتطلب عمراً من الجهد والمثابرة في القراءة والمقابلة والتصنيف. في تلك الفترة، أنجز العلامة جمال الدين ابن منظور معجمه الضخم «لسان العرب»، جامعاً فيه خلاصة خمسة من أمهات المعاجم العربية، ومتبعاً في ترتيبه منهج «الصحاح» للجوهري، ليصبح كتابه أحد أوسع المعاجم العربية وأكثرها تأثيراً. ومن خلال هذا المنبر المعرفي، تفتح مجلة «سانا الثقافية» صفحتها الأسبوعية، داعيةً لقراءة «لسان العرب» ليس فقط كدليل لمعاني الألفاظ، بل كموسوعة شاملة حفظت لنا الشعر والقرآن الكريم والحديث النبوي والأمثال والأخبار، حاملةً إلى حاضرنا جزءاً وافراً من ذاكرة العرب ورؤيتهم للعالم والإنسان.
ابن منظور.. جامع التراث
ولد أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، المعروف بابن منظور، عام 630هـ/1232م، ويُرجح أنه وُلد في مصر، وإن كانت هناك روايات تشير إلى مولده في طرابلس الغرب. شغل ابن منظور مناصب عدة، منها العمل في ديوان الإنشاء بالقاهرة، ثم تولى القضاء في طرابلس، قبل أن يعود إلى مصر حيث وافته المنية عام 711هـ/1311م. اشتهر ابن منظور بقدرته على جمع الكتب المطولة واختصارها، وقد ترك إلى جانب «لسان العرب» مختصرات لعدد من المصنفات الكبرى، مثل «تاريخ دمشق» لابن عساكر و«الحيوان» للجاحظ، مما يعكس شغفه بجمع المعرفة المتفرقة وإعادة تنظيمها وتقديمها للقارئ بيسر. ومع ذلك، يبقى مشروعه المعجمي هو ذروة أعماله وأكثرها إرثاً.
من التفرق إلى الموسوعة
صرح ابن منظور في مقدمة معجمه بأن هدفه كان جمع ما تفرق من كنوز اللغة في كتب السابقين، إذ لاحظ أن بعض المعاجم أحسن جمع اللغة لكنه افتقر إلى حسن الترتيب، بينما تميزت معاجم أخرى بحسن التنظيم لكنها لم تستوعب المادة اللغوية الواسعة. لهذا السبب، بنى معجمه على خمسة أصول رئيسية هي: «تهذيب اللغة» للأزهري، و«المحكم والمحيط الأعظم» لابن سيده، و«الصحاح» للجوهري، وحواشي ابن بري على «الصحاح»، و«النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، بالإضافة إلى استعانته بمصادر أخرى في اللغة والأدب والرواية. يكشف هذا المنهج عن القيمة العظيمة للجمع في مشروع ابن منظور، حيث وحّد ما كان متفرقاً في تلك الأصول من ألفاظ وشواهد وأقوال، وأعاد ترتيبها في مؤلف واحد، ليتحول «لسان العرب» إلى مرجع جامع لخلاصة مرحلة واسعة من التأليف المعجمي العربي. وقد تناول الباحث إبراهيم علي محمد عوض في دراسة له منهج ابن منظور في مادة «لسان العرب»، مبيناً مراحل التدوين اللغوي والطريقة التي اتبعها المؤلف في نقل مادته وترتيبها وتحريرها.
لغة تحمل تاريخها
يضم «لسان العرب» حوالي 80 ألف مادة لغوية، وتقدر شواهده الشعرية بنحو 32 ألف بيت من عصور الشعر المختلفة، بالإضافة إلى شواهده من القرآن الكريم والحديث النبوي والأمثال والأخبار وأقوال اللغويين والنحويين. وعندما يقرأ الباحث معنى كلمة في المعجم، يجد حولها طبقات من الثقافة: بيت شعري، خبر تاريخي، استعمال فقهي، وصف لنبات أو حيوان أو أداة أو عادة اجتماعية. وتؤكد الباحثة الجزائرية صليحة بعطوش في دراستها «لسان العرب لابن منظور: دراسة في الشواهد والمستويات اللغوية»، أن تنوع الشواهد والقضايا اللغوية التي تناولها الكتاب جعله يتجاوز الوظيفة الأساسية للمعجم ليصبح عملاً موسوعياً يضم معارف أدبية ولغوية وثقافية متعددة. ومن هنا تكمن أهميته الحضارية؛ فالمعجم لا يحفظ الألفاظ فحسب، بل يصون معها جانباً من العالم الذي استُعملت فيه، ومن نظرة العرب إلى الإنسان والطبيعة والعمل والطعام واللباس والعلاقات الاجتماعية.
ترتيب الكلمات
اتبع ابن منظور في «لسان العرب» منهج الجوهري في «الصحاح»، حيث رتب المواد بحسب الحرف الأخير من الجذر، ثم الحرف الأول وما يليه. لذلك، تُطلب كلمة «كتب» في باب الباء، فصل الكاف. وقد خدم هذا النظام الباحثين عن القوافي، لكنه جعل استعمال المعجم مرتبطاً بمعرفة جذور الكلمات وطريقة ترتيبه الخاصة. جمع ابن منظور مشتقات الجذر الواحد، وعرض معانيها وشواهدها وأقوال علماء اللغة نقلاً عن مصادره الأساسية. ومع ذلك، فإن اعتماد الكتاب على مواد معجمية متعددة أدى أحياناً إلى تفاوت بين بعض المداخل والروايات، مما يستدعي الرجوع إلى الأصول عند التحقيق الدقيق، مع بقاء «لسان العرب» مرجعاً جامعاً يكشف مراحل واسعة من تطور التأليف المعجمي العربي.
من الورق إلى البحث الرقمي
شهد «لسان العرب» طبعات عديدة، من أشهرها طبعة دار صادر في خمسة عشر مجلداً، وطبعة دار المعارف التي حققها عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، وصدرت في ستة أجزاء، بالإضافة إلى الفهارس التي سهلت البحث في مواده. وقد ساهمت النسخ الرقمية وقواعد البيانات في تجاوز الكثير من صعوبات التصفح، فأصبح الوصول إلى المادة ممكناً بالبحث المباشر عن الكلمة أو الجذر أو العبارة. لكن انتقال الكتاب إلى البيئة الرقمية لا يلغي الحاجة إلى فهم منهجه؛ فالبحث الإلكتروني قد يقود إلى اللفظ بسرعة، لكنه لا يعوض معرفة الجذر، ولا يفسر الفروق بين الروايات، ولا يميز دائماً بين كلام ابن منظور والنصوص التي نقلها عن مصادره. ويظل «لسان العرب» مرجعاً أساسياً للغة التراثية، لكنه لا يغني وحده عن المعاجم الحديثة في تفسير الاستعمالات والمصطلحات المستجدة. لذلك، تتكامل قيمته اليوم مع المدونات اللغوية والمعاجم الرقمية والمشروعات الحاسوبية التي تتيح تتبع تطور الكلمات وربطها بعلاقاتها الدلالية عبر العصور.
بعد أكثر من سبعة قرون، لا يزال «لسان العرب» حاضراً بوصفه أكثر من مجرد معجم للألفاظ؛ فقد جمع ألفاظ اللغة وشواهدها في الشعر والقرآن الكريم والحديث والأخبار، وحفظ من خلالها جانباً واسعاً من ذاكرة العرب وثقافتهم، ومن هنا استحق مكانته بين أمهات الكتب، مرجعاً يجمع التراث المعجمي ويكشف تاريخ العربية وطرائق تعبيرها عن الإنسان والعالم.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة