حقوق نساء السويداء: صراع بين القانون والأعراف الاجتماعية والاقتصادية


هذا الخبر بعنوان "نساء السويداء.. حقوق قانونية تصطدم بالعادات والأعراف" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يزال حصول النساء في السويداء على حقوقهن القانونية مرتبطًا بعوامل تتجاوز النصوص التشريعية، حيث تفرض الأعراف الاجتماعية والظروف الاقتصادية قيودًا تجعل المطالبة بالحقوق قرارًا يحمل تبعات أسرية ومجتمعية في كثير من الأحيان. يتجلى هذا الأمر بوضوح في قضايا مثل الميراث، الوصية، الحضانة، والنفقة، حيث تجد العديد من النساء أنفسهن أمام خيارات صعبة بين المطالبة بحقوقهن القانونية أو الحفاظ على الروابط الأسرية وتجنب الضغوط الاجتماعية، في ظل عوائق اقتصادية وضعف في الوعي القانوني. استطلعت عنب بلدي آراء سيدات من السويداء للوقوف على أبرز التحديات التي تحول دون تمتع النساء بحقوقهن كاملة، وكيف تسهم الأعراف والظروف المعيشية في الحد من الاستفادة من الضمانات التي ينص عليها القانون.
أوضحت محامية فضلت عدم نشر اسمها في حديث لعنب بلدي أن قضية الميراث تعد من أكثر الأمثلة وضوحًا على الفجوة بين القانون والواقع. فبينما يمنح القانون السوري المرأة حقها في الإرث، غالبًا ما تدفع العادات الاجتماعية في السويداء النساء إلى التنازل عن حصصهن. وأضافت أن العديد من النساء يقمن بما يعرف بـ "التخارج"، أي التنازل عن حصتهن في التركة برضاهن، انطلاقًا من اعتقاد اجتماعي بأن "البنت لا تأخذ من أمام أخيها"، وللحفاظ على الأراضي والأملاك داخل العائلة خشية انتقالها إلى صهر من خارجها.
من جهتها، قالت الناشطة المدنية "ياسمين الحلبي" (اسم مستعار) إن المشكلة لا تكمن في نقص التشريعات بقدر ما تكمن في غياب الالتزام بتطبيقها. وأوضحت أن الدين منح المرأة حقها في الميراث بشكل واضح، دون تمييز بين المتزوجة وغير المتزوجة، إلا أن الضغوط الاجتماعية تدفع كثيرات إلى التنازل عن حقوقهن حفاظًا على العلاقات العائلية. وأضافت أن مطالبة المرأة بحقها لا تعني الإساءة إلى أسرتها أو قطع صلة الرحم، بل هي ممارسة لحق كفله الشرع والقانون، معتبرة أن "العيب ليس في مطالبة المرأة بحقها، وإنما في تحويل الظلم إلى عُرف، واستخدام العادات لتبرير حرمانها من حقوقها".
ولا يقتصر الجدل على الميراث بل يمتد إلى الوصية أيضًا. أشارت المحامية إلى أن القانون السوري العام لا يجيز الوصية للوارث، ويقصرها على ثلث التركة، بينما توزع بقية التركة على جميع الورثة بالتساوي. إلا أن المادة "307" تستثني طائفة الموحدين الدروز، مما يتيح للموصي الوصية لأحد ورثته. ولفتت إلى أن بعض الآباء يستخدمون هذا الاستثناء لإنصاف بناتهم، بينما يلجأ آخرون إلى تخصيص الأبناء الذكور، مضيفة أن المرأة التي تطالب بحقها قد تواجه رفضًا أو نبذًا مجتمعيًا.
إحدى السيدات من السويداء قالت إن استمرار بعض الأعراف المرتبطة بحقوق المرأة لم يعد مبررًا، مضيفة أن "العادات التي ورثناها عن الأجداد ليست بالضرورة أن تكون صالحة لكل زمان، والمجتمع بحاجة إلى مراجعة وتحديث بعض الموروثات التي تحرم المرأة من حقوقها".
بحسب المحامية، لا تقتصر الصعوبات على وجود الحق، بل إن القدرة على المطالبة به هي ما يعتبر عائقًا. فحق التقاضي مكفول قانونًا، إلا أن ارتفاع تكاليف الدعاوى يوقف كثيرًا من النساء، خاصة مع غياب مصدر دخل مستقل. كما تتردد نساء تعرضن للعنف، سواء كان جسديًا أو لفظيًا، في اللجوء إلى القضاء، بسبب الخوف من المجتمع، إلى جانب غياب بيئة قضائية وتنفيذية أكثر حساسية لقضايا النساء.
في قضايا الأحوال الشخصية، تتنازل بعض النساء عن حضانة أطفالهن بعد الطلاق، ليس لأن القانون يحرمهن منها، وإنما نتيجة ظروف معيشية واجتماعية، كعدم امتلاك مسكن مستقل أو مصدر دخل، أو رفض عائلاتهن استقبالهن مع أطفالهن، ما يجعلهن مجبرات على التخلي عن الحضانة.
برأي المحامية، فإن "بعض النصوص القانونية تنتقص من مكانة وشأن المرأة". ومن بينها آلية تقدير المهر القديم عند المطالبة به، إذ يؤخذ في الاعتبار مهر مثيلاتها من القريبات أو النساء المماثلات لها، مع مراعاة معايير اجتماعية مثل المستوى التعليمي أو الوظيفة، معتبرة أن هذه الآلية هي "تسليع للمرأة وتمس بكرامتها". كما أشارت إلى أن حق التنقل دون إذن زوجها قد يؤدي إلى سقوط حقها بالنفقة في بعض الحالات التي ينظمها القانون، وهو ما يعتبر تقييدًا لحرية التنقل.
ولفتت أيضًا إلى وجود تفاوت في بعض الحقوق المالية، إذ تحصل الزوجة على المعاش أو التعويض المستحق عن زوجها الموظف بعد وفاته، لكنها تفقد هذا الحق إذا تزوجت مجددًا، بينما يستمر الزوج في تقاضي مستحقات زوجته المتوفاة حتى بعد زواجه. وفي حال الانفصال، تواجه المرأة صعوبة في استرداد ما اشترته من أثاث أو مقتنيات منزلية إذا لم تتمكن من إثبات ملكيتها بالإيصالات أو الشهود، إذ يمكن اعتبار ما قدمته خلال الحياة الزوجية على سبيل الهبة أو التبرع، وفي حال أخذت هذه المقتنيات دون إثبات ملكيتها، قد يلاحقها الزوج قانونيًا بدعوى السرقة، إذ تعتبر قانونًا من ممتلكاته إلى أن يثبت العكس.
أما بالنسبة لأكثر القضايا التي تراجع بها النساء المكاتب القانونية فهي القضايا التي تتعلق بالحضانة أو النفقة، إلى جانب قضايا الابتزاز الإلكتروني، التي تزايدت خاصة مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي سهلت التلاعب بالصور والمحتوى، بحسب المحامية. وأوضحت أن الخوف من الوصمة الاجتماعية أو من انكشاف الواقعة يدفع كثيرًا من النساء إلى التردد في اللجوء إلى القضاء أو تقديم شكوى، ما يجعل بعضهن يفضلن الصمت على المطالبة بحقوقهن، رغم أن هذه الأفعال يعاقب عليها القانون.
تجهل العديد من النساء الحقوق التي منحها لهن القانون، إذ تعتقد بعضهن أن طلب الطلاق يعني خسارة الأطفال أو الحرمان من الحقوق المالية، وهو اعتقاد يعود إلى ضعف الثقافة القانونية وذلك لقصور الجهات المعنية والمنظمات الحقوقية في نشرها. كما تغيب ثقافة قراءة كتب الحقوق إضافة إلى صعوبة فهم النصوص القانونية بالنسبة لغير المختصين.
نوهت المحامية إلى الحملات التي تقوم بها مع عدد من الحقوقيين والمحامين، التي تستهدف توعية الفتيات المقبلات على الزواج بالشروط الخاصة في عقد الزواج. وأوضحت أن القانون يتيح للطرفين الاتفاق على شروط إضافية تحفظ حقوق المرأة، كتسجيل بعض الأثاث أو الممتلكات، فبعض السيدات يطلبن "ماكينة خياطة" ضمن العقد على سبيل المثال، غير المهر الذي يعتبر عقد الزواج باطلًا من دونه.
رغم أن النساء في سوريا عمومًا والسويداء خصوصًا يتمتعن بحقوق تكفلها القوانين، فإن الطريق إلى ممارستها لا يزال محفوفًا بعقبات اجتماعية واقتصادية، ما يجعل كثيرًا منهن يخترن الصمت أو التنازل تجنبًا للخلافات الأسرية أو الوصمة المجتمعية. هذا يبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي القانوني، وتوفير بيئة أكثر دعمًا للنساء الراغبات في المطالبة بحقوقهن.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي