من التراث إلى المستقبل: مشروع إحياء خندق حصن كورنواليس في ماليزيا نموذجاً للتنمية المستدامة


هذا الخبر بعنوان "حين يصنع التراث مستقبل المدن.. مشروع إحياء خندق حصن كورنواليس في ماليزيا نموذجاً للتنمية المستدامة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد الحفاظ على المواقع التاريخية مجرد ترميم للمباني الأثرية أو صون للذاكرة الثقافية، بل بات أداة فعالة لتحقيق التنمية المستدامة، ودعم الاقتصاد المحلي، وتحسين البيئة الحضرية. ويبرز مشروع إعادة إحياء خندق حصن كورنواليس في مدينة جورج تاون الماليزية هذا المفهوم، بتحويله موقعاً تاريخياً مهملاً إلى مساحة عامة حيوية ومورد اقتصادي وبيئي يخدم المجتمع.
يقع حصن كورنواليس في مدينة جورج تاون، عاصمة ولاية بينانغ، وهي مدينة مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتتميز بتنوعها الثقافي والمعماري الذي يعكس قروناً من التفاعل بين الحضارات الآسيوية والأوروبية. وقد تم ردم الخندق المائي المحيط بالحصن عام 1921، واستُخدمت مساحته لاحقاً كموقف للسيارات، مما أدى إلى اختفاء أحد أبرز العناصر التاريخية للموقع. إلا أن أعمال التنقيب الأثري كشفت عن أجزاء واسعة من البناء الحجري الأصلي، مما وفر أساساً علمياً لإعادة إنشاء الخندق وفق تصميمه التاريخي.
جاء تنفيذ المشروع ثمرة تعاون استمر ثلاثة عشر عاماً بين حكومة ولاية بينانغ ومجلس مدينة جزيرة بينانغ ومؤسسة “ثينك سيتي”. وقدم صندوق الآغا خان للثقافة، التابع لشبكة الآغا خان للتنمية، الدعم الفني والخبرات المتخصصة في مجالات صون التراث وإدارة المواقع التاريخية، لضمان الحفاظ على أصالة الموقع وتوظيفه لخدمة المجتمع.
تتبنى شبكة الآغا خان للتنمية رؤية مفادها أن التراث الثقافي ليس عبئاً على التنمية، بل أحد محركاتها الأساسية. ومن هذا المنطلق، يعمل صندوق الآغا خان للثقافة في عدد من الدول على حماية المواقع التاريخية وإعادة تأهيلها، بالتوازي مع تطوير المساحات العامة، وتشجيع الأنشطة الاقتصادية، وتحسين الظروف المعيشية للسكان.
انعكست هذه الرؤية بوضوح في مشروع حصن كورنواليس، حيث تحولت منطقة كورنيش إسبلاناد إلى وجهة للنزهات والأنشطة المجتمعية والفعاليات الثقافية. كما أسهمت أعمال إعادة التأهيل في زيادة حركة المشاة، واستقطاب استثمارات جديدة، وفتح المجال أمام مشاريع تجارية وثقافية، بالإضافة إلى توفير فرص عمل في مجالات الحرف التقليدية، والسياحة، وصون التراث.
تقدر الجهات المشرفة على المشروع أن الأثر الاقتصادي الإجمالي لبرنامج إعادة التأهيل بلغ نحو 100 مليون دولار، مما يعكس القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تحققها الاستثمارات في التراث الثقافي عند دمجها ضمن خطط التنمية الحضرية.
لم تقتصر نتائج المشروع على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل امتدت إلى البعد البيئي. فالخندق المائي المعاد إنشاؤه يتسع لنحو 3500 متر مكعب من المياه، مما يساهم في خفض درجات الحرارة في المنطقة المحيطة، ودعم التنوع البيولوجي، وتحسين جودة المياه عبر أنظمة المعالجة الحيوية المزروعة بالنباتات، لتعزيز قدرة المدينة على التكيف مع آثار تغير المناخ.
يؤكد المشروع أن الاستثمار في التراث الثقافي يمكن أن يحقق عوائد تتجاوز مجرد الحفاظ على الماضي، ليصبح وسيلة لإعادة إحياء المدن، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وتحسين جودة الحياة، وخلق مساحات عامة أكثر استدامة وشمولاً.
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المدن التاريخية حول العالم، يقدم مشروع إحياء خندق حصن كورنواليس مثالاً عملياً على أن حماية التراث يمكن أن تتكامل مع التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية، لتصبح المواقع التاريخية منصات للتنمية، لا مجرد شواهد على الماضي. ويعد هذا المشروع أحد المبادرات التي تعكس نهج شبكة الآغا خان للتنمية في ربط الحفاظ على التراث الثقافي بالتنمية الشاملة، عبر برامج تسعى إلى تحسين حياة المجتمعات، وتعزيز الاقتصادات المحلية، والحفاظ على الهوية الثقافية للأجيال القادمة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد