هذا الخبر بعنوان "باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (2) ..كيف تتحول المعاني إلى قرار؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في استكمالٍ لحديثنا السابق، يظل السؤال الذي يشغلني: ما الذي لم يُدمَّر؟ لقد رأينا أن المجتمعات لا تنهض بفضل ما تحتفظ به من حجارة، بل بما هو أبقى من الحجر. ولكن يبقى تساؤلٌ آخر: إذا بقيت المعاني حية، فلماذا لا تتحول دائمًا إلى نهضة؟
لقد كثر الحديث عن العلم، والأخلاق، والتربية، والإيمان، والعمل، حتى أصبحت هذه المعاني من أكثر ما يُقال، وأقلَّ ما يُمارس. ولعل المشكلة لا تكمن في غياب الفضائل، بل في غياب الطريق الذي يحولها إلى واقع. فالحضارة لا تبدأ بالإيمان بالقيم، بل بتحول القيم إلى طريقة تفكير، ثم إلى منهج عمل، ثم إلى مؤسسات، وأخيرًا إلى قرارات.
ومن هنا ينبع السؤال الحقيقي: كيف نبني ثقافة اتخاذ القرار؟ لا تُبنى الحضارة بقفزات مفاجئة، بل بسلسلة طويلة من القرارات، يكون كل قرارٍ منها أفضل قليلًا مما سبقه، ويترك لمن بعده نقطة انطلاقٍ أكثر تقدمًا. ولهذا، لا ينبغي أن يبدأ القرار برأي فردٍ مهما بلغت خبرته، بل بمنهجٍ يبدأ بفهم الواقع، وجمع البيانات، والاستماع إلى مختلف التخصصات، وموازنة البدائل، ثم اختيار الأفضل المتاح في ظل الظروف. ولا ينتهي القرار عند التنفيذ، بل يبدأ امتحانه الحقيقي بعده، بقياس نتائجه، والاعتراف بأخطائه، واستخلاص الدروس، ليصبح القرار التالي أكثر نضجًا من سابقه.
وهنا تتكشف مشكلة العديد من مؤسساتنا. ليست المشكلة في قلة الكفاءات، بل في غياب المنهج الذي يجمعها. قد نجمع مهندسًا بارعًا، واقتصاديًا متميزًا، وإداريًا خبيرًا، لكن اجتماع الأشخاص لا يصنع فريقًا، كما أن اجتماع الحجارة لا يصنع مدينة. الفريق يولد عندما تتحد الرؤية، وتتشارك المعرفة، ويخضع الجميع لمنهجٍ واحد في التفكير واتخاذ القرار.
فالمدينة ليست مجرد طرقٍ، أو أبنية، أو خدماتٍ متجاورة، بل منظومةٌ يؤثر كل جزءٍ فيها في الآخر. ولذلك، لا يكون القرار الناجح قرارًا فنيًا فحسب، بل قرارًا يوازن بين الواقع، والإمكانات، والمستقبل. وليس المطلوب الوصول إلى القرار الكامل؛ فالكمال لا تعرفه أعمال البشر. المطلوب أن يكون القرار القادم أفضل من القرار السابق. هناك تبدأ الحضارة.
لا عندما نتوقف عن الخطأ، بل عندما نتوقف عن تكراره. ولا عندما نبني أكثر، بل عندما نتعلم أكثر. فالحضارة ليست ما يبنيه المجتمع من حجر، وإنما ما يبنيه من عقلٍ يتعلم، ومؤسسةٍ تتذكر، وقرارٍ يُتخذ ليصبح في كل مرةٍ أكثر حكمةً من سابقه. (موقع:أخبار سوريا الوطن)
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات