جدل حول تصريحات فنانين سوريين: هل يكمن الحل في وضوح الخطاب المؤسسي؟


هذا الخبر بعنوان "لو سمحتم أخبرونا ماذا يحدث" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثارت تصريحات أدلى بها أحد الممثلين السوريين مؤخرًا، شكك فيها بمعاني الثورة السورية، موجة واسعة من الغضب والاستياء. رأى الكثيرون في هذه التصريحات تجاهلاً للتضحيات الهائلة التي قدمها السوريون على مدى عقد من الزمن لإنهاء حكم الأسد.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يثار فيها هذا النوع من الجدل. فمنذ فترة قريبة، دارت نقاشات حول كيفية التعامل مع شخصيات عامة أيدت النظام السابق، من فنانين وكتّاب ورجال دين وغيرهم. ألغيت حفلة لأحد هؤلاء في دار “الأوبرا”، بينما استمر آخرون، كانوا أشد تأييدًا للنظام، في إقامة أنشطتهم. بل إن بعض الشخصيات التي عُرفت بتأييدها للنظام الساقط شغلت مواقع رسمية بعد التحرير، في حين استمرت الدعوات لمقاطعة آخرين.
قد يختلف الناس في تقييم كل حالة على حدة، لكن السؤال المتكرر هو: ما المعايير التي تحكم هذه القرارات؟ هذا السؤال لا يقتصر على الفنانين، بل يمتد إلى ملفات أخرى مثل تشكيل البرلمان، والعلاقة مع “قسد”، والتعامل مع أحداث السويداء. ربما لدى الدولة اعتبارات لا يعرفها الرأي العام، وربما تختلف ظروف كل ملف. القضية الأساسية ليست هنا، بل في طريقة تعاطي الدولة مع هذه الملفات أمام الرأي العام السوري، الذي يحق له الآن أن يكون له رأي.
في الطب النفسي، نتعلم أن نبدأ المقابلة مع المريض بتعريف بأنفسنا، وشرح طبيعة عملنا، وسبب طرح الأسئلة، وكيفية سير المقابلة. هذا الإجراء البروتوكولي ليس مجرد شكلية، بل هو جزء من العلاج نفسه. فالإنسان يتعاون أكثر عندما يفهم الإطار الذي يوجد فيه، ويصبح أكثر اطمئنانًا عندما يعرف ما ينتظره. لا نبدأ المقابلة بطرح الأسئلة، بل ببناء الإطار الذي يسمح بطرحها.
أتذكر قول أستاذي في الطب النفسي حين لاحظ إصراري على شرح سبب المقابلة ودور كل دواء لأحد المرضى: تخيل لو كنت تجلس في مكان عام، وإلى جوارك شخصان يتحدثان بلغة لا تفهمها. في البداية قد لا يثير الأمر اهتمامك، لكن مع مرور الوقت يبدأ شعور غامض بالقلق أو الانزعاج، ليس بالضرورة لأنهما يتحدثان عنك، بل لأن الإنسان بطبيعته لا يرتاح عندما يعجز عن فهم ما يجري حوله. الغموض نفسه يصبح مصدرًا للتوتر.
هذا ما يجعلني أعتقد أن جانبًا من القلق الذي يعيشه السوريون اليوم لا يرتبط فقط بمضمون القرارات، بل أيضًا بالطريقة التي تصل بها هذه القرارات إلى المجتمع. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إجابة كاملة، لكنه يحتاج إلى فهم الآلية التي تُتخذ بها القرارات، ومعرفة من يتحدث، وبأي صفة، وما الذي لا يزال قيد النقاش.
لشرح هذه الفكرة بشكل آخر، بالعودة إلى أستاذنا لاكان، فقد كان يرى أن الإنسان لا يعيش داخل الواقع المادي وحده، بل داخل ما يسميه “النظام الرمزي”، أي شبكة اللغة والقوانين والمؤسسات التي تمنح العالم معناه. عندما يكون هذا النظام واضحًا، يعرف الفرد كيف يفسر الأحداث، وإلى أي مرجع يعود عند طرح سؤال. أما عندما يضعف هذا الإطار، فإن الناس لا يتوقفون عن البحث عن المعنى، بل يبدأ كل منهم بإنتاج تفسيره الخاص، فتتكاثر التأويلات، وتنتشر الشائعات، ويصعب التمييز بين المعلومة والتخمين.
هذه الفكرة درسها وقدمها المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، مؤسس علم الميديولوجيا. فهو يرى أن السلطة لا تقوم فقط على امتلاك القرار، بل أيضًا على امتلاك وسائل نقله إلى المجتمع. فاللغة والإعلام والمتحدث الرسمي والمؤسسات ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي ما يسمح للقرار بأن يصبح مفهومًا وقابلًا للاستيعاب. القرار الذي يبقى حبيس المكاتب يختلف عن القرار الذي يُشرح للناس، ويوضع في سياقه، ويُفتح المجال لطرح الأسئلة حوله. لذلك، فإن التواصل ليس نشاطًا دعائيًا يضاف إلى عمل الدولة، بل هو جزء من ممارسة السلطة نفسها.
هذا لا يعني أن الدولة مطالبة بالإجابة عن كل سؤال، أو بكشف كل ما يدور داخل مؤسساتها. فبعض الملفات الأمنية والسياسية تتطلب بطبيعتها قدرًا من السرية. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين السرية والغموض. فالسرية قد تكون ضرورية أحيانًا، أما الغموض فيترك المجال مفتوحًا أمام التأويل، ويحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى المصدر الرئيس لتفسير ما يحدث.
السوريون بحاجة إلى الشعور بوجود خطاب مؤسسي واضح، يشرح ما يمكن شرحه، ويعترف بما لم يُحسم بعد، ويقدم للناس إطارًا لفهم ما يجري. فالإنسان لا يخاف من غياب الجواب بقدر ما يخاف من غياب المرجع الذي يعرف منه أين يبحث عن الجواب. وحين لا تتكلم المؤسسة، لا يسود الصمت، بل تتكلم الإشاعة مكانها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة