التضخم المستمر يهدد بتعثر التعافي الاقتصادي في سوريا


هذا الخبر بعنوان "استمرار التضخم يهدد تعافي الاقتصاد السوري" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد الأسواق السورية خلال الأشهر الأخيرة موجات متتالية من الغلاء طالت معظم السلع والخدمات الأساسية، في ظل استمرار الضغوط على سعر الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد. ومع كل موجة غلاء جديدة، تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، بينما تتآكل قيمة الدخول والمدخرات، لتتحول زيادة الأسعار من ظاهرة مؤقتة إلى حالة تضخم مستمرة تؤثر في مختلف مفاصل الاقتصاد. ولا يقتصر التضخم على كونه ارتفاعًا في الأسعار، بل يمتد أثره ليطال النشاط الاقتصادي والاستثمار والإنتاج والقطاع المالي، في وقت تتداخل فيه عوامل داخلية مرتبطة بالسياسات الاقتصادية مع متغيرات خارجية فرضتها التطورات الإقليمية والعالمية. ومع غياب بيانات رسمية منتظمة تقيس معدلات التضخم، يعتقد خبراء أن احتواء التضخم يتطلب إصلاحات اقتصادية شاملة تعيد الثقة بالليرة السورية، وتحفز الإنتاج والاستثمار، وتخفف من الضغوط المعيشية على المواطنين.
رغم اتفاق الخبراء على أن معدلات التضخم في سوريا لا تزال مرتفعة، فإن غياب البيانات الرسمية الصادرة عن مصرف سوريا المركزي منذ أكثر من عام يجعل تحديد نسبة شهرية دقيقة أمرًا بالغ الصعوبة، الأمر الذي يدفع الباحثين للاعتماد على مؤشرات صادرة عن جهات بحثية ومنظمات دولية. وقال المستشار الأول لدى مؤسسة “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، إن من الصعب إعطاء رقم دقيق للتضخم في سوريا بسبب توقف نشر البيانات الرسمية، إلا أن المؤشرات المتاحة تدل على استمرار التضخم مع تفاوت واضح بين القطاعات. وأضاف فيف، في حديث إلى عنب بلدي، أن تقديرات المركز السوري للبحوث والسياسات أظهرت ارتفاع الأسعار بنحو 10% خلال الربع الأول من عام 2026، مع زيادة بلغت 13% في أسعار الغذاء و11% في السكن والمياه والكهرباء والغاز، في حين أظهرت بيانات برنامج الأغذية العالمي استقرارًا نسبيًا في تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق بين نيسان وأيار، لكنها بقيت أعلى بنسبة 19% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وأشار إلى أن المصادر البديلة، مثل نشرات برنامج الأغذية العالمي ومؤشر أسعار المستهلك الصادر عن المركز السوري للبحوث والسياسات، توفر صورة مهمة لكنها لا تمثل مؤشرًا رسميًا شاملًا للتضخم الشهري، بسبب اختلاف منهجيات القياس وتفاوت الأسعار بين المحافظات واتساع القطاع غير الرسمي وتعدد أسعار الصرف. من جهته، أكد الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي مجدي الجاموس، أن معدلات التضخم في سوريا مرتفعة جدًا، إذ تتراوح بين 27 و35% سنويًا، موضحًا أن التضخم يتمثل في انخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية.
تتعدد الأسباب التي تقف خلف استمرار التضخم في سوريا، بدءًا من اعتماد الاقتصاد على الاستيراد، مرورًا بتقلبات سعر الصرف، وصولًا إلى ضعف الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، إلى جانب السياسات المالية والنقدية التي تؤثر بصورة مباشرة في الأسعار. ويرى الجاموس، في حديث إلى عنب بلدي، أن ما تشهده البلاد يعود إلى سببين: الأول: مرتبط بالتضخم العالمي الناتج عن الأزمات الدولية وارتفاع أسعار الطاقة. الثاني: ناتج عن السياسات النقدية المحلية التي أضعفت دور الليرة السورية كوسيلة للتبادل والتسعير، إضافة إلى القرارات المتعلقة برفع أسعار الكهرباء والطاقة والخدمات، والتي رفعت معدلات التضخم في عدد من القطاعات. ويرى المستشار الأول لدى مؤسسة “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، أن أحد أهم أسباب التضخم هو “التضخم المستورد”، نتيجة اعتماد سوريا على استيراد الغذاء والوقود والآلات ومدخلات الإنتاج، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الطاقة أو تكاليف النقل والشحن العالمية ينعكس سريعًا على الأسواق المحلية. وقال إن تراجع قيمة الليرة في السوق الموازية، واتساع العجز التجاري، وضعف الإنتاج المحلي، ومشكلات الكهرباء والوقود والنقل، جميعها عوامل تضغط على الأسعار. وأضاف أن رفع أسعار الطاقة أو تقليص الدعم يؤدي إلى ارتفاع مباشر في الأسعار، قبل أن ينتقل أثره إلى قطاعات النقل والزراعة والصناعة. وأكد أن زيادة الرواتب لا تؤدي بالضرورة إلى التضخم إذا كانت ممولة بصورة مستدامة، محذرًا في المقابل من تمويل الإنفاق عبر إصدار النقد. أما الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي مجدي الجاموس فيعتبر أن الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية تمثل أحد أبرز أسباب التضخم، لأنها تدفع الأفراد والتجار إلى محاولة الحد من خسائرهم عبر اللجوء إلى السوق السوداء، ما ينعكس على الأسعار بصورة يومية. وقال إن الرسوم المفروضة على بعض المستوردات، وضعف الاستثمار والإنتاج المحلي، والسياسات التي لا تشجع المستثمرين، تدفع الاقتصاد نحو مزيد من “الدولرة”، محذرًا من اتساع استخدامها حتى في التعاملات اليومية، الأمر الذي يضعف مكانة الليرة السورية ويزيد الضغوط التضخمية.
لا يقتصر أثر التضخم على ارتفاع الأسعار، بل يمتد ليؤثر في النشاط الاقتصادي والاستثمار والقطاع المالي والقدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما ينعكس في النهاية على فرص التعافي الاقتصادي. وقال المستشار بنجامين فيف، إن أولى نتائج التضخم تتمثل في تراجع القوة الشرائية للمواطنين، إذ يفقد الدخل والمدخرات المقومة بالليرة السورية جزءًا من قيمتها الحقيقية، ما يدفع الأفراد إلى الاحتفاظ بمدخراتهم بالدولار أو الذهب أو العقارات، وهو ما يضعف الادخار بالليرة ويحد من قدرة المصارف على منح القروض طويلة الأجل. كما أوضح أن التضخم يجعل التخطيط المالي للشركات أكثر صعوبة، ويحد من الاستثمارات طويلة الأمد، ويزيد الفجوة بين أصحاب الدخول المقومة بالدولار وأصحاب الرواتب الثابتة بالليرة السورية. بدوره، أكد الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، أن التضخم يعد من أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، لأنه يرفع تكاليف المعيشة ويضعف معدلات النمو ويؤخر التعافي الاقتصادي، مشيرًا إلى أن غياب استقرار سعر الصرف وارتفاع الأسعار يضعف البيئة الاستثمارية ويحد من الإنتاج. وقال إن تراجع الثقة بالليرة السورية يؤدي إلى انخفاض دورها كوسيلة للتبادل والادخار، ما ينعكس على قدرة المصارف على جذب الودائع ومنح القروض، وبالتالي يتراجع الاستثمار والإنتاج، وهو ما يفاقم الأزمة الاقتصادية.
يرى الخبراء أن معالجة التضخم لا يمكن أن تعتمد على إجراء واحد، وإنما تتطلب إصلاحات متكاملة تعيد الثقة بالاقتصاد وتزيد الإنتاج المحلي وتحد من الاختلالات المالية. وأكد المستشار الأول لدى مؤسسة “كرم الشعار للاستشارات” بنجامين فيف، أن الأولوية تتمثل في استعادة الثقة وتقليل حالة عدم اليقين، من خلال نشر بيانات اقتصادية منتظمة حول التضخم والمالية العامة والسياسة النقدية، وتجنب تمويل الإنفاق الحكومي عبر إصدار النقد، مع تنفيذ إصلاحات تدريجية للدعم، وتوجيهه للفئات الأكثر احتياجًا. كما دعا إلى تحسين الكهرباء والوقود والنقل والجمارك، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وتوجيه جزء أكبر من المساعدات الدولية نحو البنية التحتية والإنتاج، إضافة إلى انتهاج سياسة تجارية انتقائية تحد من استيراد السلع الكمالية، مع تسهيل استيراد الآلات ومدخلات الإنتاج والمواد الأساسية، مؤكدًا أن الانفتاح الاقتصادي ورفع العقوبات يمثلان فرصة لتحسين التوقعات، لكن استدامة هذه المكاسب تتطلب إصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الاستقرار الأمني والقانوني. أما الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي مجدي الجاموس، فشدد على أن الحل يبدأ بإعادة الاستقرار إلى سعر الصرف، وتشجيع الاستثمار والإنتاج المحلي، وتهيئة بيئة اقتصادية جاذبة للمستثمرين، معتبرًا أن بناء اقتصاد قوي لا يمكن أن يتحقق دون زيادة الإنتاج الحقيقي واستعادة الثقة بالليرة السورية. وأكد أن تعزيز دور العملة المحلية كوسيلة للتبادل والادخار، وتنشيط القطاع المصرفي بما يسمح بعودة الودائع والقروض، يمثلان ركيزة أساسية لإعادة تنشيط الاستثمار وتحقيق التعافي الاقتصادي والحد من معدلات التضخم.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد