تحديات الهجرة: كيف تفقد الأجيال لغتها وعلاقاتها العائلية؟


هذا الخبر بعنوان "أحفاد… لكن بالترجمة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في المهجر، لا تتلاشى الروابط العائلية دفعة واحدة، بل تتآكل بصمت مع مرور الوقت. تبدأ الهجرة بتذكرة سفر، تتطور إلى إقامة دائمة، ثم الحصول على جواز سفر جديد، وبعد جيلين فقط، قد يجد الجد نفسه بحاجة إلى مترجم للتواصل مع حفيده. خلال لقاء مخطط له مسبقًا مع أحد الأقارب بعد سنوات طويلة من الفراق، لم يكن اللقاء في حلب، بل في بلاد الغربة. استعدنا الذكريات وضحكنا على حكايات الطفولة، لكن الضحك توقف بانضمام بعض الأبناء وغالبية الأحفاد. كانوا مهذبين ومبتسمين، قريبين منا في الدم، لكنهم بعيدون في اللغة. لم يفهموا حديثنا، ولم نفهم حديثهم، فتحول الأبناء إلى مترجمين بين جيلين من العائلة. يا للمفارقة، نحن الذين كنا نترجم الحياة لأبنائنا، أصبح أبناؤنا يترجمون لنا أحفادنا.
تفرقت عائلاتنا في أنحاء العالم، بين كندا، والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، وغيرها. حمل الجيل الأول مفاتيح البيوت القديمة، وحمل الجيل الثاني ذكريات تلك البيوت، أما الجيل الثالث فسيحمل صورها فقط، وربما لن يعرف أين تقع على الخريطة. ليس ذلك عن جحود، بل لأنه ولد في وطن آخر، وتكلم لغة أخرى، وصنع ذاكرة مختلفة. يقف الجد أو الجدة، ولا يعرفان كيف ينقلان مشاعرهما إلى الأحفاد، بينما يسأل الأحفاد والديهم: "لماذا لا يفهموننا؟".
ليس الأحفاد وحدهم من ابتعدوا عن لغة الأجداد، بل إن الأجداد أيضًا لا يعرفون شيئًا عن لغة الأحفاد. أنا لا أدعو إلى التخلي عن العربية، فهي الذاكرة والجذور، لكنني أدعو إلى حماية ما هو أهم من اللغة نفسها: العلاقة الإنسانية. فما قيمة أن نحافظ على لغة جميلة إذا فقدنا القدرة على أن نقول لحفيدنا، بها أو بغيرها: "أنا أحبك". لقد ثبت أن كثيرًا من الأحفاد لن يتعلموا لغة آبائهم وأجدادهم، وإلى أن يتعلم الأجداد لغة أحفادهم، سنخسر الكثير من اللحظات الشاعرية، ومن المحبة العفوية التي لا تعوض.
أخشى أن يأتي يوم لا يبقى من العائلة سوى صور قديمة يتأملها الأحفاد، ويسألون: "من هذا الرجل؟" فيجيبهم أحدهم: "كان جدكم… لكننا، للأسف، لم نكن نتحدث اللغة نفسها." وكم هو حزين أن يقول الطفل لأمه: "متى سنعود إلى بيتنا؟" وهو يزور سورية، حيث بيته الأول، وذكرياته، وغرفة نومه، وطفولته، وحارته… كم هو قاتل. اللهم اشهد أنني قد بلغت. (موقع اخبار سوريا الوطن)
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات