عودة إلى الديار بلا مأوى: نازحو كفرنبودة يواجهون واقعاً قاسياً بعد مغادرة المخيمات


هذا الخبر بعنوان "غادروا المخيمات… لكنهم لم يجدوا بيوتاً يعودون إليها" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في كل صباح، تفتح ولاء نشمي الفارس باباً لا يؤدي إلى منزل مكتمل، بل إلى مساحة تحاول عائلتها أن تقنع نفسها بأنها بيت. تحت خيمة نُصبت فوق جدران من اللبن، تبدأ ولاء يومها في الطرف الشمالي من مدينة كفرنبودة بريف حماة، بعدما عادت إليها إثر عشر سنوات من النزوح. هنا كان منزلها قبل الحرب، وهنا أيضاً توقفت رحلة عودتها قبل أن تكتمل. تشير إلى السقف المصنوع من القماش وتقول: «لا أريد بيتاً جديداً… أريد فقط صبة سقف، وأن أنام مع أولادي تحت سقف إسمنتي، لا تحت خيمة». لم يكن قرار العودة سهلاً، لكنه بدا الخيار الوحيد بعدما لم يبقَ في المخيم ما يدفع إلى البقاء. وتقول ولاء إن المساعدات تقلصت، والخدمات تراجعت، وغادرت معظم العائلات. أما في كفرنبودة، فعلى الرغم من أن الحياة لم تستعد عافيتها بعد، بقيت الأرض وبقي المنزل، حتى وإن كان مهدماً، يحملان معنى لا تمنحه الخيام.
ولا تختلف قصة إبراهيم الفارس كثيراً عن قصص جيرانه؛ فقد عاد هو الآخر بعدما فقد الأمل في وجود مستقبل داخل المخيم، قائلاً: «ست سنوات من النزوح انتهت عندما توقفت الحياة هناك أكثر مما توقفت الحرب هنا». ويضيف: «عدنا لأننا نعرف أرضنا ونستطيع زراعتها، لكن البيت ما يزال ينتظر من يعيده إلى الحياة». ويؤكد أن أسرته لم تطلب أكثر من ترميم منزلها أو الحصول على مشروع صغير يمكّنها من الاعتماد على نفسها، فيما اقتصرت المساعدات التي تلقتها عند العودة على بطانيات وفرش إسفنجية وخزانات مياه.
حين تسبق العودة إعادة الإعمار في كفرنبودة، تبدو العودة وكأنها سبقت إعادة الإعمار؛ فقد عاد السكان بجهودهم الذاتية، وأزالوا الركام، وشيدوا غرفاً بسيطة من اللبن، في محاولة لاستعادة جزء من حياتهم السابقة. غير أن قدراتهم المحدودة تحول دون إعادة بناء الأسقف وإصلاح شبكتي المياه والكهرباء وتأهيل الطرق والبنية التحتية التي تضررت خلال سنوات الحرب. ويقول محمد يازجي، مدير المكتب الإعلامي في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، لـ«سوريا 24»، إن المديرية تابعت عودة 98 عائلة من مخيمات النزوح، توجه أكثر من 90 في المئة منها إلى مدينة كفرنبودة، فيما توزعت العائلات الأخرى على بلدتي شحشبو والكركات. ويضيف أن دور المديرية يقتصر على تنظيم نقل العائدين وتقديم بعض المساعدات الإنسانية الأساسية، مشيراً إلى أن إعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية تقع ضمن مسؤولية محافظة حماة والجهات الخدمية المختصة.
العودة سياسةً… والاستقرار اختباراً
تأتي هذه العودة في وقت تضع فيه الحكومة ملف النازحين ضمن أولوياتها. وفي مقابلة مع قناة الجزيرة، قال الرئيس أحمد الشرع إن أكثر من 3.4 ملايين سوري عادوا خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستركز على إعادة الإعمار وتحسين الخدمات وخلق فرص العمل، بما يعزز استقرار العائدين في مناطقهم. كما أعلنت الحكومة، في أكثر من مناسبة، أن رؤيتها تقوم على إنهاء ملف المخيمات تدريجياً، وتحويل العودة إلى استقرار دائم من خلال إعادة تأهيل المناطق المتضررة. غير أن المشهد في كفرنبودة يكشف فجوة بين الخطط والواقع؛ فالعائلات غادرت المخيمات بالفعل، بينما ما تزال منازل كثيرة خارج خطط إعادة الإعمار، لتتحول العودة إلى بداية اختبار جديد، لا إلى نهاية رحلة النزوح.
البيت… آخر ما يعود
مع حلول المساء، يعود الرجال من الحقول، ويعود الأطفال من اللعب بين الأنقاض، فيما تبدأ الأمهات إعداد الطعام داخل غرف لا تزال رائحة التراب تسبق رائحة الحياة فيها. ولا يدور حديث الأهالي هنا كثيراً حول السياسة أو المؤتمرات، بقدر ما ينشغل بتفاصيل الحياة اليومية. فولاء، التي تعمل مياومةً في الأراضي الزراعية، تقول إن أجرها اليومي لا يتجاوز 25 ألف ليرة سورية من العملة القديمة، أي ما يعادل نحو دولار ونصف، فيما تعيل ثلاثة أطفال يتابعون تعليمهم في المدارس. وتضيف أن كل ما تطالب به هو ترجمة الوعود المتعلقة بدعم العائدين إلى خطوات ملموسة، وإدراج منزلها ضمن أولويات مشاريع الترميم التي تنفذها الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية. فإعادة بناء سقف منزلها، كما تقول، تتجاوز اليوم قدرتها المادية، في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها الأسرة. ربما انتهت سنوات النزوح بالنسبة إلى هذه العائلات على الورق، لكنها لم تنتهِ في تفاصيل حياتها اليومية. ففي كفرنبودة، لا يقيس السكان نجاح العودة بعدد الأسر التي غادرت المخيمات، بل باليوم الذي يطوون فيه آخر خيمة، ليس داخل المخيم… بل فوق أسطح بيوتهم.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي