من مملكة دورين إلى آخر معاقل داعش: جهفة الباغوز، شاهدة على التاريخ والحرب


هذا الخبر بعنوان "من مملكة دورين إلى آخر معاقل التنظيم… ماذا جرى لجهفة الباغوز؟" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على الضفة الشرقية لنهر الفرات، في أقصى ريف دير الزور الشرقي، يبرز جبل العرسي، المعروف محلياً باسم «جهفة الباغوز»، كواحد من أكثر المواقع التي تجسد مفارقات الشرق السوري. هذا الموقع، الذي ارتبط في الذاكرة المحلية بحكايات عن حضارات قديمة وأنظمة ري تاريخية، تحول خلال سنوات الحرب إلى مسرح شهد النهاية العسكرية لما أسماه تنظيم الدولة «دولة الخلافة»، ولا يزال شاهداً على دمار لم تغادر آثاره المكان حتى اليوم.
تقع الباغوز على الحدود السورية–العراقية، عند نقطة حساسة على ضفاف الفرات، وقد منحها موقعها أهمية تجارية وعسكرية عبر التاريخ، مما جعلها ساحة للصراع خلال الحرب السورية. بعد تمدد تنظيم الدولة في ريف دير الزور بين عامي 2014 و2017، أصبحت البلدة جزءاً من آخر المساحات التي بقيت تحت سيطرته، قبل أن ينحصر وجوده تدريجياً في شريط ضيق حول جهفة الباغوز ومخيماتها، مع تقدم قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي.
يقول محمد الطعمة، أحد أبناء البلدة، لـ« سوريا 24 »، إن جهفة الباغوز لم تكن مجرد مرتفع صخري يطل على الفرات، بل كانت جزءاً من هوية المنطقة وذاكرتها التاريخية. وتشير الروايات الشعبية المتوارثة إلى «مملكة دورين» و«ملكة الباغوز»، التي يُقال إنها أمرت بشق «نهر دورين» خلال الألفية الثالثة أو الثانية قبل الميلاد، ليكون فاصلاً بين الممالك المجاورة، فضلاً عن دوره في الري والدفاع. ولا تزال آثار مجرى النهر القديم ظاهرة أسفل كهف الباغوز، بينما يقف تل الباغوز الأثري شاهداً على قدم الاستيطان البشري في المنطقة، رغم عدم إجراء أعمال تنقيب أثرية واسعة تكشف طبقاته التاريخية.
يؤكد الطعمة أن الكهوف المنتشرة في الجهفة شكّلت قبل الحرب جزءاً من الحكايات الشعبية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مواقع عسكرية، ويرتبط اسمها بالحرب أكثر من ارتباطه بالتاريخ.
مع انحسار سيطرة تنظيم الدولة في شرق سوريا أواخر عام 2018، تراجع مقاتلوه نحو الباغوز، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية الوعرة للجهفة، بما تضمّه من كهوف ومنحدرات صخرية، لإقامة خطوط دفاعهم الأخيرة. انتشرت الخنادق والأنفاق والعبوات الناسفة في محيط الجبل، لتتحول المنطقة إلى واحدة من أعقد ساحات القتال ضد التنظيم. استمرت المعركة أشهراً، تخللتها عمليات إجلاء لآلاف المدنيين وعائلات مقاتلي التنظيم، فيما تعرضت المنطقة لقصف جوي ومدفعي مكثف. وفي 23 آذار/مارس 2019، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية انتهاء السيطرة المكانية للتنظيم في سوريا، بعد سقوط آخر جيوبه في الباغوز.
يرى أبناء البلدة أن تلك المعركة غيّرت ملامح الجهفة بالكامل، إذ لم تقتصر آثارها على المخيمات والمنازل، بل امتدت إلى السفوح والكهوف، التي تحولت من معالم طبيعية وتاريخية إلى مواقع تحمل آثار الانفجارات والتحصينات العسكرية.
يقول الطعمة إن المدنيين الذين بقوا داخل المنطقة خلال الحصار عاشوا واحدة من أقسى المراحل، في ظل نقص الغذاء والمياه والدواء، واستمرار القصف وصعوبة مغادرة المنطقة. تركت تلك الأشهر جروحاً لا تزال حاضرة في ذاكرة السكان، الذين يتذكرون الجهفة لا باعتبارها آخر ساحات القتال فحسب، بل أيضاً بوصفها المكان الذي عاشوا فيه ظروفاً إنسانية بالغة القسوة.
لا تزال آثار تلك المرحلة حاضرة، بحسب الطعمة، من خلال وجود ثلاث مقابر جماعية في محيط الجهفة أسفل الجبل، وفق ما يتداوله أبناء المنطقة. يطالب الطعمة بالكشف عن هذه المواقع وتوثيقها وتحديد هويات الضحايا، معتبراً أن ملف المفقودين يمثل أحد أكثر الملفات الإنسانية إلحاحاً لسكان الباغوز، وأن طي صفحة الحرب لا يكتمل من دون كشف مصير المفقودين وإزالة آثار المعركة.
لا يقتصر تأثير المعارك على ذاكرة السكان، بل يمتد إلى الواقع الخدمي الذي لا يزال يعاني آثار الدمار. يقول فرحان خلفان الداود، وهو مدرس من أبناء البلدة، لـ«سوريا 24»، إن الباغوز ما تزال تفتقر إلى معظم الخدمات الأساسية، وإن سكانها يعيشون ظروفاً صعبة نتيجة تأخر مشاريع إعادة التأهيل. تحتاج المدارس إلى الترميم والتجهيز، فيما يعاني القطاع الصحي ضعف الإمكانات، بالتزامن مع غياب شبكة كهرباء مؤهلة وتضرر واسع في شبكات المياه. نحو 70 في المئة من الطرق والبنية التحتية تعرضت للدمار خلال سنوات الحرب، ما يجعل إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والطرق أولوية أساسية لإعادة الحياة الطبيعية إلى البلدة.
وهكذا تبدو جهفة الباغوز اليوم أكثر من مجرد موقع شهد نهاية السيطرة المكانية لتنظيم الدولة؛ فهي مساحة تختزن طبقات متعاقبة من التاريخ، تمتد من المرويات القديمة إلى أحد أكثر فصول الحرب السورية دموية، فيما لا يزال سكان البلدة ينتظرون أن تتحول نهاية المعركة العسكرية إلى بداية فعلية للتعافي وإعادة الإعمار.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي