هذا الخبر بعنوان "بيتٌ برائحة البحر" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتساءل أسيمة حسن عن سر جمال بيت جدتها الذي فاق جمال بيتها، رغم صغر مساحته وقدم بنائه. ربما كان السبب هو قرب البحر الذي يبدأ من عتبة البيت، حيث تطل النوافذ على امتداد أزرق لا نهائي، ويملأ الملح الهواء حتى تشعر بأن الجدران تتنفس عبق الموج. كانت غرفة خالتها أشبه بمتحف بحري صغير، تضم محركات قديمة، وشباك صيد، وبوصلات صدئة، وقطع بحرية غريبة، تحتفظ بأسرار البحر والريح. أما غرفة خالتي، فكانت عالماً آخر من الأصداف المتنوعة، واللوحات المعلقة، والعطور الفواحة التي تضفي على المساء أناقة تفوق سحر الغروب. كانت غرفة جدتي وطناً قائماً بذاته؛ ففي خزانتها تجد التين المجفف، واللوز، وحلوى البحر، وعلبًا صغيرة تخبئها بين الثياب، كأنها تدخر الفرح للأيام القادمة. كانت رائحتها مزيجاً من الياسمين وماء الورد ونسيم الساحل. تبدأ يومها مع الفجر، تطهو السمك والمحشي، وتقضي ساعات طويلة بين المطبخ والبيت، ثم تخرج إلينا بثوب نظيف وعطر جديد وابتسامة هادئة، وكأن التعب لم يمس يديها. وعند العصر، نجلس في الشرفة، نراقب الصيادين العائدين والنوارس التي تحط في الميناء، بينما كانت جدتي توزع الفاكهة والضحكات، وتحيي الجيران دون أن تغادر كرسيها. في ذلك الوقت، كنت أظن أن العالم كله يشبه ذلك البيت. لكن مع مرور الزمن، أدركت أن الكثيرين فقدوا بيوتهم التي تشبه بيت جدتي، حيث حملتهم الحروب إلى منافٍ بعيدة، ليصبحوا مجرد أرقام في سجلات اللجوء، بينما بقيت أوطانهم معلقة في رائحة قهوة، أو صوت موج، أو باب خشبي لم يعد يُفتح، أو نافذة ما زالت تنتظر أصحابها. عندها أدركت أن الوطن ليس مجرد جدران وسقف، بل هو تلك التفاصيل الصغيرة التي تحفظ طفولتنا من الضياع، وتمنح ذاكرتنا سبباً لمقاومة النسيان. فالأوطان تبدأ أحياناً من رائحة خبز، أو من شجرة ياسمين، أو من يد جدة تعرف كيف تجعل البيت أوسع من العالم. ولذلك، كلما اشتقت إلى جدتي، لم أتذكر البيت وحده، بل دعوت أن يعود لكل طفل في هذا العالم بيتٌ يشبه قلب جدته؛ دافئاً، آمناً، عامراً بالمحبة… ووطناً لا يخاف أن يكبر فيه.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات