نبيل فهمي: الرهان الأخير لإنقاذ الجامعة العربية في زمن الانهيار العربي


هذا الخبر بعنوان "الرهان الأخير لنبيل فهمي.. هل ينقذ ابن “جيل 242” الجامعة العربية؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في 29 مارس/آذار 2026، وبعد شهر من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، اجتمع وزراء الخارجية العرب عبر الاتصال المرئي لمناقشة الهجمات الإيرانية على أراض عربية. ترأس الاجتماع مملكة البحرين، وكان البند الأوحد هو الهجمات التي طالت دول الخليج والأردن والعراق. ألقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي كلمة بلاده، مؤكداً دعم مصر للأشقاء الخليجيين. ومع ذلك، طلبت القاهرة إضافة بند آخر للنظر في ترشيح وزير خارجيتها الأسبق نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً للجامعة خلفاً لأحمد أبو الغيط. تمت الموافقة بالإجماع على رفع التوصية إلى القمة العربية المقبلة في السعودية للتصديق النهائي.
لم يكن الإجماع بلا سياق تنافسي، حيث جرى العرف بأن يكون الأمين العام من دولة المقر. خلال صيف 2025، تداولت الأوساط الدبلوماسية أسماء مصرية عدة لخلافة أبو الغيط، منها بدر عبد العاطي، وحسام زكي، وسامح شكري، ومصطفى مدبولي، قبل أن يتقدم اسم فهمي. حسمت القاهرة أمرها قبل أشهر من الدورة، بعد مشاورات مع الدول الفاعلة لضمان عدم اعتراض الترشيح.
بعد 3 أشهر، في 22 يونيو/حزيران، اعتُمد فهمي رسمياً بتفويض من القادة العرب. يبلغ فهمي من العمر 75 عاماً، وهو الوجه المصري الجديد لمنصب احتكرته القاهرة منذ تأسيس الجامعة عام 1945، باستثناء فترة تولى فيها الشاذلي القليبي الأمانة بعد نقل المقر إلى تونس.
كان اللافت ليس اسم فهمي وحده، بل توقيت الترشيح. يُختار الرجل الذي حمل ملف الدبلوماسية المصرية لقيادة مؤسسة يفترض أنها تجسّد الإرادة العربية المشتركة، في لحظة تبدو فيها هذه الإرادة عند أدنى مستوياتها. يتسلم فهمي المنصب في وقت انهار فيه تقريباً كل ما آمن به جيله حول العروبة والتكامل العربي. في كلمته الأولى، أكد فهمي أنه يتحمل المسؤولية “بكل جدية ووعي، في ظل ما تواجهه أمتنا من تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي”.
تجمع سيرة نبيل فهمي بين الإقرار بصعوبة اللحظة والتمسك بمرجعية القانون. قراءة نبيل فهمي ليست سيرة فردية؛ إنها مدخل لقراءة حال العرب أنفسهم: ماذا يقول اختياره عن النظام العربي؟ وماذا يقول فهمي عن نفسه؟
اعتمد هذا التحليل على 3 روافد: مذكرات فهمي “في قلب الأحداث”، وكتاباته ومقابلاته، وسجلٍّ من الوقائع الموثقة، وشهادات 6 أشخاص ممن عملوا معه.
الاسم الأخير.. والجرح الأول
أحد مفاتيح فهمي هو الاسم الذي ورثه. فهو نجل إسماعيل فهمي، وزير خارجية مصر في عهد السادات، الذي استقال احتجاجاً على التقارب مع إسرائيل. عاش الابن أجواء المنصب منذ الطفولة، مولعاً بالشؤون الخارجية.
ولد نبيل فهمي في نيويورك عام 1951. جاء جرحه المؤسس في سن 16 عاماً، صباح 5 يونيو/حزيران 1967، حين تكشفت الهزيمة بعد ابتهاجه بنباء النصر الأولي. ظلت تلك اللحظة جرحاً في وعي جيل كامل. ورث الابن المعاني القومية والموقف من إسرائيل عن والده.
كان زملاء يسمون فهمي وآخرين “جيل 242″، نسبة إلى قرار مجلس الأمن رقم 242. يقول مسؤول دبلوماسي عمل معه إن “جيناتهم” كلها ترتبط بالحرب والسلام مع إسرائيل و”قرارات الشرعية الدولية”. فهمي ابن هذه المرحلة بامتياز، وقد أضاف إليها نزعة قومية عربية وإيماناً بأن إسرائيل تمثل خطراً وجودياً.
في الغرف المغلقة
حصل فهمي على بكالوريوس الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1974. التحق بوزارة الخارجية في مارس/آذار 1976، وضمه والده إلى مكتبه. بدايته الفعلية كانت في رئاسة الجمهورية، حيث عمل في تشفير وفك تشفير البرقيات الرئاسية.
في صيف 1975، استقال من الرئاسة، واتصل به نائب الرئيس حسني مبارك لضمه إلى مكتبه. جاءت أولى مهامه الخارجية الكاملة في البعثة الدائمة لدى مقر الأمم المتحدة بجنيف (1978–1982)، مسؤولاً عن نزع السلاح والشؤون المتصلة بالصراع العربي الإسرائيلي.
في ملف نزع السلاح، تكونت لديه فكرة تشرح عقيدته السياسية. رأى أن اتفاقية عدم الانتشار النووي قيدت مصر ولم تقيد الخصم الذي رفض الانضمام إليها. حمل هذه المرارة إلى آخر مناصبه، مؤمناً بأن قوة القانون يجب أن تعلو على قانون القوة.
في مايو/أيار 1991، عين مبارك عمرو موسى وزيراً للخارجية، فاختار فهمي مستشاراً سياسياً له، واستمر في هذا الموقع نحو 7 سنوات.
كان فهمي “قناة الاتصال” بين ياسر عرفات ومصر خلال مفاوضات أوسلو. حذّر عرفات من التوقيع على اتفاق باريس الاقتصادي، الذي تحول إلى قفص دائم للسلطة.
في الأيام الأخيرة من عام 2000، عُرضت “معايير كلينتون” لدولة فلسطينية، لكن مواقف كلينتون تغيرت تجاه القدس بعد دخول دينيس روس. كتب آرون ديفيد ميلر لاحقاً أن مسؤولين أمريكيين كثيرين عملوا “محامين لإسرائيل”.
في عام 2002، خرجت المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت، ورغم ترحيب المجتمع الدولي بالتنازلات، لم يعتمدها أحد كأساس للمفاوضات.
تعلم فهمي أن القانون الذي آمن به جيله لا يساوي، عند من يملكون القوة، أكثر من ورقة تُقرأ بابتسامة دبلوماسية باردة ثم تُطوى. ومع ذلك ظلّ يراهن عليه.
مهمة طويلة في واشنطن
عين مبارك نبيل فهمي سفيراً في واشنطن في 11 أكتوبر/تشرين الأول 1999، وظل فيها حتى عام 2008. وصل إلى الولايات المتحدة يوم إعلان فوز أحمد زويل بجائزة نوبل، وبعد أقل من 3 أسابيع وقعت كارثة سقوط طائرة مصر للطيران رقم 990.
ينفي فهمي في مذكراته قصصاً شهيرة حول الطائرة، لكن تقارير صحفية عدة ذكرت أن طائرة البطوطي كان على متنها أكثر من 30 عسكرياً مصرياً.
رفضت مصر جميع المحاولات الأمريكية لتحويل قضية طائرة البطوطي من حادثة إلى تحقيق جنائي.
كان فهمي في السنة الثانية من ولايته حين ضُربت واشنطن في 11 سبتمبر/أيلول 2001. وجد نفسه مطالباً بأن يثبت للعالم إنسانيته.
عارضت مصر غزو العراق، وكان فهمي لسان هذه المعارضة في واشنطن، محذراً من أن إسقاط بغداد بالقوة سيورث المنطقة اضطراباً طويلاً.
في يونيو/حزيران 2005، ألقت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس كلمتها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة حول “نشر الديمقراطية”.
شهد فهمي الدورة كاملة من مقعده سفيراً، حين ضغطت واشنطن لفتح اللعبة الديمقراطية، قبل أن تأتي اللعبة بالإسلاميين.
شهدت العلاقة بين القاهرة وواشنطن توتراً حقيقياً خلال خدمة فهمي في الولايات المتحدة.
2011 في مواجهة 2013
في ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، لم يكن فهمي ناشطاً سياسياً، لكنه شعر بالاشمئزاز مع تصاعد العنف ضد المدنيين، فقرر ألا يظل مراقباً على الحياد. انضمّ إلى “لجنة الحكماء” ودعم عمرو موسى في حملته الرئاسية.
حلف فهمي اليمين وزيراً للخارجية في 16 يوليو/تموز 2013، في حكومة مؤقتة برئاسة حازم الببلاوي. أكد أن أول محاور عمل الوزارة هو “حماية ودعم الثورة ونقل صورتها الحقيقية للعالم الخارجي”.
بعد أقل من شهر، في 14 أغسطس/آب، جرى فض اعتصامَي رابعة العدوية والنهضة بالقوة. ذكر فهمي في مذكراته أنه “خرج من الاجتماع مقتنعاً بأن الموقف قد حُسم، وأن فض الاعتصام بات وشيكا”.
في تلك الأشهر، خرج إلى المنابر الغربية مدافعاً عن التدخل العسكري للإطاحة “بالحكومة المستبدة للرئيس مرسي، والإخوان المسلمين”.
الرجل وطريقته.. وإسرائيل
يتفق من عملوا مع فهمي على أنه رجل “يجمع الخلفية الأكاديمية بالرؤية الاستراتيجية، مستمع جيد يسمع الآراء المختلفة ثم يتّخذ القرار”.
طريقته التفاوضية تلخص في أنه “شخص غير تصادمي، متّزن للغاية. هدفه الرئيسي في أي نقاش العمل على الأرضية المشتركة”.
لا يمكن فصل نبيل فهمي عن الملف الإسرائيلي؛ فهو لم يدخله دبلوماسياً، بل وُلد فيه. لكنّ علاقته بإسرائيل ليست عداء نهائياً ولا قبولاً غير مشروط.
يرى فهمي أن العوائد التي حققتها إسرائيل من معاهدة السلام كانت “ضخمة واستراتيجية”.
في أول مؤتمر صحفي له وزيراً للخارجية، رسم حدود المرحلة بالقول إن مصر ستتحدث مع “الطرف الفلسطيني المفاوض” أي السلطة الفلسطينية، أما حماس “فسوف نتصل بها لكن ذلك في سياق آخر”.
بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، لم يذهب فهمي إلى إدانة الهجوم ولا إلى الاحتفاء به. أجاب أن الطرح نفسه “يفتقد جوهر المشكلة المرتبطة بوجود الاحتلال الذي يجب أن يزول”.
دعا مبكراً إلى حكومة تكنوقراط فلسطينية تدير الضفة والقطاع معا.
في أول مؤتمر صحفي له أميناً عاماً للجامعة العربية، في 13 يوليو/تموز 2026، قال إنّ ما ترتكبه إسرائيل في غزة والضفة “جريمة إبادة جماعية مستمرة”.
تعهد بأن موقف الجامعة “لن يقف عند حدود البيانات”، بل يمتد إلى “دعم الملاحقة القانونية لمرتكبي هذه الجرائم”.
وصف الاتفاقيات الإبراهيمية بأنها “أكبر إنجاز” حققه ترامب في ولايته الأولى، لكنه أعاد ربطها بشرط “إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية”.
بيت عربي جامع بلا أدوات حاسمة
يصل فهمي إلى الجامعة العربية بتشخيصٍ واضحٍ لعلّة العرب، وهو أن “الاعتماد الزائد على الغير” هو المرجع الأساسي لتحديات المنطقة.
يشير المصدر إلى 3 وفرات عربية مهمة: الطاقة، والموقع الجغرافي، والكتلة الديمغرافية الهائلة والمميزة.
يريد فهمي أن ينتقل العمل العربي من موقع المفعول به إلى موقع الفاعل.
يصطدم هذا كله بالقيد الذي أشرنا إليه سابقا، وهو أن قرارات الجامعة “ليست مرهونة بالأمين العام ولا بإرادته ولا بشخصيته؛ بل مرهونة بإرادة الدول العربية”.
في 1 يوليو/تموز 2026، تسلّم نبيل فهمي مهامه رسمياً بمقر الأمانة العامة في القاهرة.
بعد أسبوع واحد من تسلمه المنصب، اختار فهمي أن تكون الأراضي الفلسطينية المحتلة وجهته الخارجية الأولى قاصداً رام الله للقاء الرئيس محمود عباس. لكنّ سلطات الاحتلال رفضت السماح بالزيارة.
في أول مؤتمر صحفي له أميناً عاماً، تعهد بأن “قواعدَ القانون الدولي تتعرّض لاختبارات قاسية”.
طرح فهمي 3 آليات لعمله: آلية للإنذار المبكّر، وخليّة لإدارة الأزمات، ومجلس للحكماء.
جعل فهمي في مؤتمره الأول احترام سيادة الدول العربية “خطاً أحمر”، وسمّى الاعتداءات الإيرانية بوصفها من أخطر ما يهدده اليوم.
يقول المقرب من مكتب فهمي إن من يظنّ أن الأمور ستتغير في لحظةٍ مخطئ، وإن فهمي يكرّر لمهنّئيه أنه إن “زرع البذرة الصحيحة، فستحصل النتيجة بعد رحيله من المنصب”.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة