الضائقة الاقتصادية تُعيد تشكيل عادات الاصطياف لدى السوريين: من الرحلات الطويلة إلى النزهات القريبة


هذا الخبر بعنوان "الظروف الاقتصادية تغيّر عادات الاصطياف لدى السوريين" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في كل صيف، كانت عائلة محمد قصاب من حلب تبدأ التحضير لرحلتها إلى البحر قبل أسابيع من موعدها، فتجهز الحقائب وتحجز غرفة أو “شاليه”، وتخصص جزءًا من مدخراتها السنوية لقضاء أيام على شواطئ اللاذقية. غير أن هذا التقليد العائلي بات مهددًا اليوم، في ظل تراجع القدرة على تحمل تكاليف السفر والاصطياف، مع اشتداد الضغوط الاقتصادية التي تواجه العائلة وغيرها من الأسر السورية.
لم تعد الرحلات الصيفية بالنسبة لكثير من العائلات السورية مرتبطة بموعد الإجازة أو الرغبة في التنزه فقط، وإنما أصبحت قرارًا اقتصاديًا في المقام الأول، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. محمد قصاب قال خلال حديثه لعنب بلدي، إن عائلته المكونة من خمسة أشخاص كانت تذهب إلى مدينة اللاذقية كل صيف تقريبًا، لمدة خمسة أو ستة أيام، لكن الرحلة اليوم أصبحت تحتاج إلى حسابات تبدأ من أجور النقل ولا تنتهي عند تكلفة الطعام والإقامة.
وبينما لا تزال أسماء مثل اللاذقية وكسب وصلنفة وطرطوس وبلودان والزبداني حاضرة في ذاكرة السوريين، فإن الوصول إليها لم يعد متاحًا بالسهولة نفسها بالنسبة لشريحة واسعة من العائلات، التي بدأت تعيد تعريف معنى إجازة الصيف بما يتناسب مع إمكاناتها المادية.
ارتبط الصيف لدى كثير من السوريين بطقوس تكاد تكون ثابتة، ففي حلب على سبيل المثال، كانت العائلات تتجه نحو الساحل السوري هربًا من الحرارة ولتغيير الروتين اليومي، فيما اعتاد أبناء دمشق وريفها بشكل رئيس قضاء أيام في المصايف الجبلية القريبة. الرحلات كانت إحدى العادات الاجتماعية الراسخة، إذ كانت بعض العائلات تدخر جزءًا من دخلها على مدار أشهر استعدادًا لإجازة الصيف، فيما تتحول الرحلات الجماعية إلى مناسبة للقاء الأقارب والأصدقاء، لكن هذه العادات بدأت تتغير تدريجيًا، مع ارتفاع تكاليف النقل والإقامة والخدمات.
محمد قصاب قال إن عائلته لم تلغِ فكرة السفر بشكل كامل، لكنها اضطرت إلى تغيير شكل الرحلة. “إذا قررنا الذهاب، فإننا سنقلل عدد الأيام، وأحيانًا نكتفي بليلتين بدل أسبوع كامل. حتى الأطفال باتوا يسألون لماذا لا نبقى أكثر، لكن من الصعب شرح كل هذه الحسابات لهم”، بحسب محمد. ولا يقتصر الأمر على تكلفة الوصول إلى اللاذقية، بل يمتد إلى المصاريف اليومية التي يمكن أن يواجهها خلال رحلة الاصطياف، من أسعار الطعام والمشروبات إلى تكاليف الأنشطة الترفيهية. واعتبر محمد أن المشكلة لا تكمن في فقدان الرغبة بالسفر، بل في تراجع القدرة على تحمل تكاليفه.
ترتبط تكلفة الاصطياف في الساحل بقرار السفر إلى جانب المكان المقصود، إذ تختلف أسعار الإقامة بشكل ملحوظ بين منطقة وأخرى تبعًا لقربها من البحر والخدمات المتاحة فيها. وبحسب ما رصدته عنب بلدي، تتراوح أسعار استئجار “الشاليهات” في منطقة الشاطئ الأزرق بين 800 ألف ومليون و200 ألف ليرة لليلة الواحدة خلال الموسم الصيفي. في حين تنخفض الأسعار بمناطق أخرى، مثل البدروسية ورأس البسيط، لتتراوح بين 400 ألف و700 ألف ليرة، مع اختلاف الموقع والقرب من البحر وتجهيز مكان الإقامة.
ولا تتوقف التكاليف عند حدود الإقامة، إذ تشكل أجور النقل جزءًا أساسيًا من ميزانية الرحلة، وتختلف بحسب المحافظة ونوع وسيلة النقل والمسافة المقطوعة. على سبيل المثال، تبلغ أجرة الراكب الواحد من حلب إلى اللاذقية نحو 56 ألف ليرة عند السفر بسيارات “الفان”، بينما تصل إلى نحو 80 ألف ليرة في حال استخدام “البولمان”، ما يعني أن عائلة مؤلفة من خمسة أشخاص قد تحتاج إلى ما بين 280 ألفًا و400 ألف ليرة أجور نقل فقط ذهابًا، قبل حساب تكلفة العودة أو الإقامة والطعام والمصاريف اليومية. ومع إضافة النفقات الأخرى، مثل الوجبات والمشروبات والتنقل داخل المدينة، تصبح الرحلة بالنسبة لكثير من العائلات أمرًا مرهقًا من الناحية المالية ويحتاج إلى تخطيط مسبق، ما يدفع بعضها إلى تقليص مدة الإقامة أو البحث عن وجهات أقل تكلفة.
في دمشق، لا تبدو الصورة مختلفة كثيرًا، إذ ارتفعت أيضًا تكاليف التنقل والخدمات في المصايف الجبلية، حتى بالنسبة للرحلات التي لا تتجاوز يومًا واحدًا. محمد الرز من سكان دمشق، قال إن عائلته كانت تقصد بلودان أو الزبداني أكثر من مرة خلال الصيف، دون الحاجة إلى تخطيط مسبق. وأضاف محمد لعنب بلدي أن الرحلة كانت تقرر أحيانًا في الصباح ثم تكون العودة مساء دون الانشغال بالتكاليف، لكن مع الظروف الاقتصادية الصعبة حاليًا، يجري حساب تكلفة المواصلات والطعام قبل اتخاذ القرار. التغيير، وفقًا لمحمد، لم يكن برغبة الناس بالخروج، وإنما في قدرتهم على الحفاظ على العادات نفسها، مضيفًا أن كثيرًا من العائلات باتت تكتفي برحلة أو رحلتين خلال الصيف، بعدما كانت تخرج مرات عدة خلال الموسم الواحد. ورغم أن بلودان والزبداني لا تزالان تحتفظان بمكانتهما بالذاكرة الدمشقية، فإن حضورهما في حياة بعض العائلات لم يعد كما كان، خاصة مع تغير أولويات الأسرة السورية واقتصار النفقات على الاحتياجات الأساسية.
في المقابل، بدأت خيارات أخرى تفرض نفسها على مشهد الاصطياف، ففي حلب على سبيل المثال، أصبحت المناطق القريبة من المدينة، إلى جانب الحدائق العامة والمتنزهات، وجهات بديلة لعائلات تبحث عن ساعات قليلة خارج المنزل. ومع تراجع القدرة على القيام بالرحلات البعيدة، بدأت بعض العائلات بالبحث عن خيارات أقرب، لا تحتاج إلى تكاليف كبيرة، حيث أصبحت مناطق قريبة من المدينة، مثل منطقة الصنم، مقصدًا لبعض العائلات التي ترغب بقضاء وقت خارج المنزل دون تحمل تكاليف السفر إلى مناطق أخرى. ورغم أن هذا الخيار لا يقدم التجربة نفسها التي توفرها المصايف، فإنه أصبح بديلًا عمليًا لعائلات تبحث عن مساحة للراحة أو الاجتماع خارج المنزل ضمن إمكاناتها.
يوسف السيد من حي صلاح الدين، ذكر أن فكرة “السيران” لم تختفِ لكنها تغيرت، إذ لم يعد يفكر في السفر إلى مكان بعيد أو الذهاب إلى الساحل، بل بات يبحث عن موقع قريب يستطيع الوصول إليه بأقل التكاليف والعودة منه مع حلول المساء. وقال يوسف لعنب بلدي، إن من المهم أن يشعر الأطفال بوجود تغيير في الروتين، حتى لو كانت النزهة لا تبعد سوى عدة كيلومترات عن المنزل. ويعكس هذا التحول قدرة العائلات على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، عبر إعادة تشكيل عاداتها بدل التخلي عنها بشكل كامل.
الترفيه لم يختفِ من حياة السوريين، لكنه بات مرتبطًا بالقدرة على تحمل تكاليفه، فالرحلة التي كانت تعني في السابق الإقامة لأيام، أصبحت لدى شريحة واسعة تعني نزهة قصيرة أو جلسة عائلية لساعات. كما يعيش الأطفال اليوم صيفًا مختلفًا مقارنة بما عرفه آباؤهم، في ظل التحولات التي طالت مختلف جوانب الحياة اليومية. وفي ظل هذه التحديات، يحاول السوريون الاحتفاظ بشيء من طقوس الصيف، ولو ضمن مساحة ضيقة مما اعتادوه خلال سنوات سابقة، فالرغبة في الخروج وقضاء إجازة الصيف والاصطياف لم تختفِ، لكنها باتت تمر عبر بوابة الحسابات الاقتصادية أولًا.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد