هذا الخبر بعنوان "بين أزقة حلب.. حرفي يصون فنا عمره 14 قرنا" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب أسواق حلب التاريخية، يكرس الحرفي السوري أيمن سعيد جهوده للحفاظ على فن الزخرفة الخشبية، وهو إرث فني يعود تاريخه إلى حوالي 1400 عام. ينحت سعيد على ألواح الخشب زخارف شرقية وخطوطاً عربية متوارثة، ساعياً لمنع هذا الفن من الاندثار.
يمتلك سعيد خبرة تمتد لثلاثة عقود في هذه الحرفة، ولا يقتصر دوره على ممارستها فحسب، بل يسعى لنقلها إلى ابنه، إيماناً منه بأن استمراريتها تكمن في تسليمها لجيل جديد يحمل ذاكرة هذا الموروث الفني. يستخدم الحرفي تقنيات الرسم والنقش على الخشب لإنتاج لوحات وزخارف بارزة تستلهم التراث العربي والإسلامي، في وقت تشهد فيه أعداد الممارسين لهذه المهنة تراجعاً ملحوظاً، مما يضعها ضمن الحرف التقليدية المهددة بالانقراض.
فن الزخرفة العربية النافرة، المعروف أيضاً بـ "الرسم العجمي"، كان عنصراً أساسياً في العمارة والزخرفة بالمنطقة لقرون، حيث زين أسقف وجدران المساجد والكنائس والقصور بفضل دقته وجمالياته. لا تزال نماذج من هذا الفن ماثلة في معالم تاريخية هامة مثل قاعة العرش في قلعة حلب والمسجد الأقصى في القدس، مشكلة جزءاً لا يتجزأ من التراث الفني والمعماري للمنطقة.
مع التحولات في أنماط البناء والديكور، قل استخدام هذا الفن في المنشآت الكبيرة، إلا أنه وجد لنفسه مجالاً جديداً في صناعة الصناديق التذكارية واللوحات الفنية والقطع الخشبية الصغيرة التي تلقى إقبالاً من المهتمين بالأعمال اليدوية.
يقول سعيد، البالغ من العمر 42 عاماً، وهو أب لثلاثة أطفال، إنه تعلم المهنة في سن الثانية عشرة، ويحرص اليوم على تعليمها لابنه لضمان استمرارية هذا التراث الثقافي للأجيال القادمة. يواصل سعيد عمله وسط الأجواء التراثية لأسواق حلب القديمة، معتبراً أن الحفاظ على هذه الحرفة هو بمثابة صون لجزء من الذاكرة الثقافية للمدينة.
وأوضح أن الزخرفة النافرة كانت سمة بارزة للطراز الشرقي الذي ميز أسقف وجدران البيوت العربية التقليدية. تبدأ العملية برسم التصميم على الورق قبل نقله إلى الخشب، ثم يستخدم الحرفيون معجوناً خاصاً مصنوعاً من مواد نباتية لتشكيل الزخارف البارزة. بعد ذلك، تُطلى الأرضية وتُضاف طبقة حماية، ثم تُلوّن الزخارف يدوياً بالفرشاة، لتُستكمل المرحلة النهائية برسم الخطوط السوداء الدقيقة التي تمنح العمل شكله النهائي.
يؤكد سعيد أنه لا يزال يمارس الحرفة بنفس الشغف الذي بدأ به قبل سنوات طويلة، قائلاً: "هذه المهنة لا تصيب صاحبها بالملل". كل قطعة ينجزها تكشف له تفاصيل جديدة، مما يجدد حماسه للاستمرار في العمل وتطوير مهاراته. وأشار إلى أن الألوان والخامات المستخدمة في الزخرفة الخشبية تحدث تحولاً بصرياً في المكان، حيث تضفي بعض الدرجات إحساساً بالبرودة في المساحات المشمسة، بينما تمنح درجات أخرى شعوراً بالدفء في الأماكن الأقل إضاءة.
ويضيف: "الزبائن الذين يزورون ورشتي يمضون وقتاً طويلاً في تأمل الجدران والأسقف وملاحظة التفاصيل الدقيقة للأعمال". يدعو سعيد إلى إنشاء سوق تقليدية تجمع الحرفيين تحت سقف واحد، مما يساهم في حماية المهن التراثية من الاندثار. ويرى أن مثل هذه السوق يمكن أن تضم حرفاً تقليدية متنوعة، مثل الزخرفة النافرة، وصناعة الأدوات النحاسية، والنسيج، وحياكة السجاد، وأن وجود الورش في مكان واحد يشجع المنافسة ويرفع جودة الإنتاج.
في ظل تراجع المهن التقليدية أمام أنماط الحياة الحديثة، يواصل أيمن سعيد رسم الزخارف على الخشب، ناقلاً إلى ابنه حرفة توارثها عن أسرته منذ طفولته، على أمل ألا تكون لوحاته آخر ما تبقى من فن عريق عمره 1400 عام.
ثقافة
ثقافة
سوريا محلي
ثقافة