«الشرّاقة»: ذاكرة المعتقلين السوريين تنتصر على محاولات النسيان


هذا الخبر بعنوان "الشرّاقة.. ذاكرة المعتقل السوري تنتصر على النسيان" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد خمس سنوات من صدوره، يخرج كتاب “الشرّاقة” للكاتبة والإعلامية السورية سعاد قطناني من دائرة الصمت إلى فضاء القراءة والنقاش. ظل الحديث عن الكتاب متعذراً في وسائل الإعلام الرسمية السورية خلال سنوات النظام السابق، نظراً لما يحمله من شهادات حية عن المعتقلات السوريات وتجارب الناجين والناجيات منها. في هذا العمل، تجمع قطناني بين التوثيق والسرد الأدبي، مستندةً إلى ذاكرة شفوية مثقلة بالألم، لتعيد تقديم الحكايات الفردية بوصفها جزءاً من ذاكرة وطن. تحول الشهادة من رواية شخصية إلى وثيقة أخلاقية وأدبية تواجه محاولات الطمس والنسيان. ينتقل الكتاب من تسجيل الوقائع إلى مساءلة معنى الحرية والذاكرة والإنسان، عبر نصوص تستلهم أدب السجون وتمنح أصوات الضحايا حضوراً يتجاوز حدود التوثيق إلى فضاء الأدب.
أوضحت قطناني في تصريح لـ سانا أن كتابها ينطلق من الإنسان الذي يحاول التمسك بكرامته وسط أقسى ظروف القهر. وأبانت أن عنوان “الشرّاقة” مستوحى من الكوة الصغيرة التي يطل منها السجان في سقف الزنزانة أو بابها، والتي يفترض أن تصل المعتقل بالعالم الخارجي، لكنها تتحول إلى مفارقة مؤلمة، إذ لا تفتح إلا على مزيد من العذاب. وأضافت: “اخترت هذا العنوان لأنه يمثل الفاصل الدقيق بين عالم الإنسان الذي يتمسك بالحلم، وعالم السلطة التي تريد إقناعه بأن الحلم نفسه جريمة”.
وأكدت قطناني أن الكتاب كُتب في مرحلة شعرت خلالها بأن النسيان قد يصبح أخطر من الجريمة نفسها، وأن غايته الأساسية كانت إنقاذ الذاكرة من الضياع، لأن “الموت الحقيقي ليس غياب الضحايا، بل غياب حكاياتهم”.
أشارت قطناني إلى أنها لم تكتفِ بنقل شهادات برنامج “يا حرية” الذي كانت تعده وتقدمه على شاشة تلفزيون سوريا ليروي قصص المعتقلين كما وردت، بل أعادت كتابتها بلغة تحافظ على روح التجربة الإنسانية. وأوضحت أن بعض المآسي لا يمكن أن تنقلها الوثائق أو الأرقام، وإنما تحتاج إلى لغة قادرة على احتواء الألم والخوف والحنين. وقالت: “لم أفرغ التسجيلات على الورق، بل أفرغت روح الكلمات، حتى أصبحت الشهادة أدباً يتجاوز أصحابها، وصوتاً لذاكرة وطن بأكمله”.
يرسم الكتاب صورة للمعتقل باعتباره زمناً معطوباً أكثر منه فضاءً مادياً، إذ تتجاوز التجربة حدود الجدران لتصبح محاولة ممنهجة لتفكيك الإنسان من الداخل، وتجريده من ذاكرته وهويته وقدرته على تعريف ذاته. وترى الكاتبة أن الشهادة الإنسانية أقدر من السجان على حفظ الحقيقة، لأنها تنتمي إلى الإنسان الذي استطاع، رغم القهر، أن يحافظ على جوهره الإنساني.
يمنح الكتاب الذاكرة دور البطولة في مواجهة القمع، إذ ترى قطناني أن “الشراقة” الحقيقية ليست تلك الفتحة الصغيرة في الزنزانة، وإنما الذاكرة ذاتها، فهي النافذة التي ظل المعتقل يطل منها على أمه وطفولته ومدينته، ويرفض عبرها سقوطه الكامل في العدم. وتؤكد أن الحرية لا تبدأ بخروج المعتقل من السجن، وإنما بقدرته على منع السجن من الاستقرار داخله، معتبرةً أن إعادة دمج الناجين في الحياة مسؤولية مجتمعية وثقافية لا تقل أهمية عن تحريرهم.
يستند الكتاب إلى سلسلة لقاءات أجرتها الكاتبة مع عدد من المعتقلين السابقين، من بينهم الروائي مصطفى خليفة، والكاتب محمد برو، والكاتب مالك داغستاني، إضافة إلى شهادات فدوى محمود، وإبراهيم بيرقدار، وعمر الشغري، ورياض أولر، ونظمي محمد، وغيرهم. تتجاوز هذه الشهادات إطار المقابلة الصحفية، لتغدو نصوصاً أدبية تحافظ على صوت أصحابها، وتعيد بناء المشهد عبر التفاصيل الإنسانية ولغة الصمت والإيماءة، بما يجعل الكتاب أقرب إلى أدب الشهادات والذاكرة منه إلى التوثيق الخبري التقليدي.
يبرز “الشرّاقة” أهمية الرواية الشفوية كمصدر ثقافي وتاريخي، وتنطلق مادته من شهادات سجلتها الكاتبة ضمن برنامج “يا حرية”، قبل أن تعيد صياغتها في عمل يحافظ على أصالة التجربة ويمنحها بعداً أدبياً، في محاولة لتثبيت الذاكرة الإنسانية وحمايتها من التلاشي. ويختتم الكتاب برسالة تؤكد أن كسر أبواب المعتقلات لا يمثل نهاية رحلة الحرية، بل بداية استعادة الإنسان لوطنه وذاكرته، وأن سقوط الاستبداد يكتمل عندما تستعيد الضحايا أسماءها وحكاياتها، لتغدو الذاكرة انتصاراً دائماً على النسيان.
سعاد قطناني كاتبة وإعلامية سورية من مواليد اللاذقية، عملت في إعداد وتقديم برامج سياسية وثقافية واقتصادية في عدد من المؤسسات الإعلامية، من بينها BBC عربي وتلفزيون سوريا. صدر لها عدد من الكتب، منها انكسار الصورة، وعشر عجاف، والشراقة، وتركز في أعمالها على التوثيق الثقافي والإنساني، ولا سيما توثيق الشهادات الشفوية وتجارب السوريين في المنفى والاعتقال، جامعةً بين الحس الصحفي والكتابة الأدبية في مقاربة الذاكرة والهوية والإنسان.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة