ابتسام الصمادي: رحلة بين صرامة المعرفة وحرية القصيدة ورؤية واعية للمجتمع


هذا الخبر بعنوان "ابتسام الصمادي.. الشاعرة التي جمعت رصانة المعرفة وحرية القصيدة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق - سانا: تتجلى تجربة الشاعرة والأكاديمية السورية الدكتورة ابتسام الصمادي في مزيج فريد يجمع بين قاعات الجامعة وفضاءات القصيدة، حيث تتناغم صرامة المعرفة مع رحابة الخيال، مما يمنحها منظوراً متعدد الأوجه للإنسان والمجتمع. في مسيرتها التي تجمع بين التحليق الشعري والانخراط في الشأن العام، بنت الصمادي مشروعاً يرتكز على الوعي، مؤمنة بأن قيمة القصيدة تكمن في قدرتها على طرح أسئلة الإنسان والحرية والهوية. وتؤكد على أن المثقف لا يمكنه الانعزال عن التحولات المجتمعية.
حصلت الصمادي على الدكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة نيس الفرنسية، وشغلت منصب أستاذة في جامعة دمشق، وساهمت في تأسيس جامعة قاسيون وعضوية مجلس أمنائها. ترى الجامعة كفضاء لتكوين الإنسان وفتح آفاق التساؤل أمامه، ولذلك حرصت في تجربتها التدريسية على ربط المعرفة الأكاديمية بالفكر والثقافة، وتشجيع الطلبة على تجاوز المقرر الجامعي.
وتشير الصمادي في حديثها لـ سانا الثقافية إلى أن تنقلها بين الدراسة والعمل الجامعي أتاح لها زوايا نظر متعددة لقضايا المجتمع، مما جعل تجربتها الشعرية أكثر ارتباطاً بالواقع الإنساني. فالقصيدة لديها متجذرة في أسئلة الحياة العامة، وتستمد منها رؤيتها وموضوعاتها. لا ترى تعارضاً بين دورها كشاعرة وأكاديمية، بل تعتبرهما مسارين متكاملين؛ فالبحث يمنح الفكرة الدقة والعمق، بينما يمنحها الشعر الحرية والقدرة على التأثير في الوجدان.
الثورة السورية: إعادة تشكيل الوعي والإبداع
شكلت الثورة السورية منعطفاً حاسماً في حياة الصمادي وتجربتها الإبداعية، دفعتها إلى إعادة النظر في مفاهيم الحرية والإنسان، واعتبار الشعر موقفاً من العالم وليس مجرد تمرين جمالي. انعكس هذا التحول في نتاجها الأدبي، حيث أصدرت خلال تلك الفترة ثلاثة دواوين، منها مجموعة شعرية للأطفال، وديوان “والشوق شأنك” الذي حاز على جائزة توليولا الإيطالية العالمية. تكشف هذه المرحلة عن أن الشعر لديها لا ينفصل عن الحدث، ولكنه لا يتحول إلى خطاب سياسي مباشر، بل يلتقط أثر التحولات الكبرى في الإنسان، ويمنح المشاعر الإنسانية كالحزن والأمل والفقد والحرية لغة تتجاوز اللحظة.
ترى الصمادي أن الأزمة التي يواجهها العالم العربي تتجاوز الإنتاج الأدبي لتشمل أزمة وعي انعكست على الهوية والقيم. لذا، تدعو إلى قراءة التجارب الشعرية ضمن سياقاتها الثقافية والحضارية، وتحذر من استنساخ المناهج الغربية أو التعامل مع الحداثة كشكل خارجي منفصل عن جوهر الإبداع. تؤمن بأن النهضة تبدأ من استعادة قدرة الإنسان على السؤال والنقد والتمييز، وهي مهمة مشتركة بين الجامعة والمؤسسات الثقافية والإعلام والمثقف.
الشعر: حرية الشكل وتكامل الأدوار
لا تنحاز الصمادي إلى شكل شعري محدد على حساب الآخر، سواء كانت القصيدة العمودية أو تفعيلة أو نثر، بل تمنح الأولوية للنص الذي يمتلك ضرورته الداخلية ويقدم إضافة فنية أصيلة. ترى أن القصيدة العمودية والتفعيلة والنثر قادرة على التجدد وابتكار جماليات جديدة متى امتلك الشاعر أدواته ولم يصبح الشكل قيداً. تؤكد على ضرورة ترك الحرية للقصيدة في اختيار قالبها، فالشعرية هي جوهر النص، أما الوزن والبناء الخارجي فوسائل للتعبير. الأصالة لا تعني تكرار الماضي، والتجديد لا يتحقق بكسر الشكل، بل بقدرة القصيدة على إثارة الدهشة وطرح الأسئلة وتقديم تجربة إنسانية صادقة بلغة جميلة.
في عصر المنصات الرقمية، ترى الصمادي أن الشعر لم يفقد مكانته، بل إن حضوره مرتبط بقدرة أصحابه على صون قيمته. فالشعر يقف خلف أهله، فإذا كانوا شجعاناً كان أشجع. رغم فيض النصوص الناتج عن وسائل التواصل، إلا أنها أتاحت للقصيدة الجيدة الوصول إلى جمهور أوسع، بينما يظل النقد والإعلام ضروريين للتمييز بين الانتشار العابر والتجارب الشعرية الجديرة بالبقاء.
المرأة العربية والمستقبل الواعي
ترى الصمادي أن المرأة العربية حققت تقدماً في حضورها الإبداعي، لكنها لا تزال تواجه تحديات ثقافية ونقدية. فالكاتبة تحمل في كتابتها أسئلة المجتمع والإنسان، وتواجه أحكاماً مسبقة أكثر من الرجل. ترفض اختزال إبداع المرأة في هويتها أو مقارنته بتجارب أخرى خارج سياقه، فالقيمة الحقيقية للنص تنبع من اتساع رؤيته الإنسانية وقدرته على تجاوز التصنيفات الضيقة والانفتاح على الحرية والعدالة والكرامة.
تطمح الصمادي إلى مشروع نهضوي عربي يقوم على التكامل بين المؤسسات الثقافية والأكاديمية والتشريعية، ويعزز دور المثقفين والإعلاميين في حماية الهوية وتعزيز الوعي المجتمعي. وتستعد لإصدار مجموعة شعرية جديدة تواصل بها مشروعها الأدبي.
تتحرك ابتسام الصمادي بين ديوان ينتظر النشر ومشروع ثقافي يتطلع للمستقبل، في مفارقة تختزل مسيرتها: الشعر يرفعها إلى فضاء الحرية، والسياسة تعيدها إلى صلابة الواقع، وفي المسافة بينهما تواصل البحث عن القصيدة التي لا تكتفي بوصف العالم، بل تسعى لإيقاظ وعيه.
سيرة ذاتية
الدكتورة ابتسام الصمادي عضو في اتحاد الكتّاب العرب، واتحاد الكتّاب والصحفيين في فرنسا، ومنتدى الفكر العربي في الأردن، واتحاد النخب والأكاديميين العراقيين، والملتقى القطري للمؤلفين، وجمعية الصحفيين القطريين. صدر لها سبعة دواوين شعرية، ومجموعة للأطفال، وكتاب أكاديمي مستند إلى رسالة الدكتوراه. تُرجمت أعمالها إلى لغات عدة، ونالت جوائز أدبية، أبرزها جائزة توليولا الإيطالية العالمية. اختيرت ضمن أبرز شاعرات الوطن العربي في استطلاع لوكالة أنباء الشعر العربي عام 2008. وتناولت دراسات أكاديمية تجربتها كنموذج للخطاب الشعري النسوي المعاصر.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة