الرقة تحت وطأة طوابير العملة: استغلال وتمديد لا يحل الأزمة


هذا الخبر بعنوان "في الرقة… طوابير العملة تبتلع التمديد وتفتح سوقاً للاستغلال" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ الساعات الأولى لليوم، تتشكل طوابير لا نهاية لها أمام مركز تبديل العملة في مدينة الرقة، حيث ينتظر المواطنون، رجالاً ونساءً وكبار السن، تحت أشعة الشمس، حاملين أوراقهم النقدية القديمة خشية انتهاء المهلة قبل استبدالها. تُظهر الصور حشوداً تتدافع وسط احتقان متصاعد، بينما يحاول العاملون تنظيم الصفوف. بعضهم يحضر للمرة الثانية أو الثالثة، وسُجلت حالات إغماء بسبب طول الانتظار وارتفاع درجات الحرارة.
لم تعد عملية تبديل العملة مجرد إجراء نقدي، بل تحولت إلى اختبار لقدرة المؤسسات على إدارة أزمة تمس مدخرات السكان وحياتهم اليومية، خاصة مع تخصيص مركز واحد فقط لاستقبال أعداد هائلة من الراغبين في التخلص من الأوراق القديمة.
مركز واحد وثلاثة استحقاقات
أرجع المركز الإعلامي في مدينة الرقة الازدحام إلى تزامن عملية استبدال العملة مع صرف مستحقات القمح للمزارعين ورواتب المتقاعدين، مما أدى إلى تجمع ثلاثة استحقاقات مالية في موقع واحد وخلال فترة زمنية محدودة. لكن هذا التفسير لم يقنع السكان، الذين يرون أن تزامن المواعيد كان معروفاً مسبقاً وكان يتطلب فتح مراكز إضافية أو تخصيص نوافذ منفصلة.
يقول عدنان المصطفى لموقع سوريا 24 إنه يتردد منذ يومين دون جدوى بسبب الازدحام، مضيفاً أن المركز يحدد سقفاً لتبديل مليون ليرة سورية للشخص الواحد، مما يضطر أصحاب المبالغ الأكبر للعودة مرات عدة.
ويرى أحمد الحسن أن حصر العملية في مركز واحد لم يكن الخيار الوحيد، مقترحاً سحب العملة القديمة تدريجياً عبر المؤسسات العامة كالأفران ومحطات الوقود والدوائر الحكومية، مع وقف إعادة ضخ الأوراق القديمة في السوق لتخفيف الضغط على المواطنين وسحب الكتلة النقدية بصورة أكثر انتظاماً.
تمديد لا يبدد المخاوف
أعلن مصرف سوريا المركزي تمديد المهلة المخصصة لاستبدال العملة القديمة، لكن هذا القرار لم يبدد القلق في الرقة، حيث يرى السكان أن إضافة أيام جديدة لا تكفي دون زيادة في عدد المراكز وكميات العملة الجديدة المتاحة.
يتساءل خلف العبد الله عن جدوى التمديد دون توسيع القدرة التشغيلية للمراكز، معتبراً أن المشكلة تكمن في عدد الأشخاص الذين يستطيع المركز استقبالهم يومياً، وأن الرقة تحتاج إلى مراكز موزعة جغرافياً لا إلى طابور واحد يختصر المدينة.
مليارات الليرات خارج النوافذ
تأتي الأزمة المحلية ضمن عملية نقدية أوسع تستهدف سحب كتلة ضخمة من العملة السورية القديمة، قُدرت بنحو 42 تريليون ليرة سورية قديمة. ورغم ارتفاع نسبة الأموال المسحوبة تدريجياً، إلا أن جزءاً مهماً بقي في حوزة السكان والتجار، خاصة في المناطق التي تعاني من قلة المراكز ونقص العملة الجديدة.
لا تتوافر أرقام رسمية تفصيلية لحجم الأموال القديمة في محافظة الرقة وحدها، لكن كثافة الطوابير تشير إلى أن مبالغ كبيرة بقيت خارج قنوات الاستبدال حتى اقتراب انتهاء المهلة.
يطرح باسم الحسين سؤالاً يتردد بين المنتظرين: إذا لم تكن كميات العملة الجديدة كافية، فلماذا أُطلقت العملية بهذه الآلية؟ ويطالب بضخ كميات إضافية من الأوراق الجديدة، ورفع سقف الاستبدال المسموح به، لما له من أثر في مضاعفة عدد المراجعات وزيادة الضغط على المركز.
عندما يصبح لليرة سعران خارج الطابور الرسمي
ظهرت سوق موازية أكثر قسوة، حيث استغل بعض الصرافين والتجار حاجة الناس، وبدأوا التعامل بالعملة القديمة بقيمة مختلفة عن العملة الجديدة. وصل سعر الدولار، وفق إفادات محلية، إلى نحو 20 ألف ليرة عند الدفع بالأوراق القديمة، مقابل قرابة 13 ألفاً و200 ليرة عند الدفع بالعملة الجديدة. وهكذا وجد حامل الأوراق القديمة نفسه أمام خيارين: الانتظار ساعات طويلة، أو قبول خسارة جزء كبير من قيمة أمواله.
يرى مروان العلي أن الأخطاء التي رافقت تنفيذ القرار أسهمت في خلق سوق غير رسمية بين نسختين من العملة ذاتها، وأن المواطن الذي لا يستطيع الوصول إلى المركز يتحول إلى الطرف الأضعف في المعاملة، بينما يملك الصراف أو التاجر القدرة على فرض السعر.
جدل شرعي
لم تتوقف مخاوف السكان عند الخسائر المالية، فقد أثار اختلاف القيمة بين العملة القديمة والجديدة تساؤلات بشأن مدى توافق هذه المعاملات مع الضوابط الشرعية، خاصة عندما تُفرض الفروق على مواطنين لا يملكون بديلاً عملياً.
توقيف صرافين… والأزمة مستمرة
في محاولة للحد من التجاوزات، أوقفت قوات الأمن الداخلي عدداً من الصرافين بتهمة استغلال المواطنين. لكن هذه الإجراءات، بحسب سكان في الرقة، لا تعالج جذور المشكلة، فالسوق الموازية نشأت في المسافة الفاصلة بين حاجة الناس وعجز القنوات الرسمية عن استيعاب الطلب.
يطالب الأهالي بفتح مراكز إضافية، وزيادة كميات العملة الجديدة، ورفع سقف الاستبدال، وتمديد المهلة مرة أخرى بما يتناسب مع واقع المدينة وأريافها.
مع استمرار الحشود، تبدو الرقة أمام مفارقة قاسية: قرار صُمم لتنظيم السوق النقدية، لكنه وضع آلاف السكان في سباق مع الوقت، وترك البعض منهم بين طابور لا يتحرك سريعاً وسوق موازية تقتطع جزءاً من مدخراتهم.
في نهاية الطابور، لا يسأل المنتظرون عن النظريات النقدية، بل عن سؤال بسيط وإلحاحي: هل سيتمكنون من الوصول إلى النافذة قبل أن تفقد الأوراق التي يحملونها قيمتها؟
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد