روسيا تعين سفيراً جديداً في دمشق: مؤشرات على تحول استراتيجي في العلاقات السورية-الروسية


هذا الخبر بعنوان "سفير روسي جديد.. موسكو تضبط علاقتها بدمشق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة تحمل دلالات عميقة على سعي موسكو لإعادة تشكيل علاقاتها مع دمشق، أقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إقالة السفير الروسي لدى سوريا، ألكسندر إيفيموف، وتعيين ديمتري دوغادكين خلفاً له. هذا التغيير يتجاوز كونه إجراءً روتينياً ليصبح مؤشراً قوياً على تحول في النهج الروسي تجاه الملف السوري.
وقد نشرت الجمعية الاتحادية لروسيا الاتحادية المراسيم المتعلقة بهذا التعيين على الموقع الرسمي للمعلومات القانونية بتاريخ 3 آب. تتضمن المراسيم إعفاء إيفيموف من مهامه كممثل خاص للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع سوريا، وتعيين دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية.
يأتي هذا التعيين في وقت تشهد فيه الساحة السورية تحولات إقليمية ودولية متسارعة، مما يثير تساؤلات حول أبعاد هذا التغيير، والرسائل التي تحملها شخصية السفير الجديد، وتأثيرها المحتمل على مستقبل الوجود الروسي في سوريا على الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية.
يرى خبراء العلاقات الدولية أن اختيار دوغادكين لم يأتِ عن عبث، بل يحمل رسالة واضحة بأن موسكو تتطلع إلى فتح صفحة جديدة مع سوريا، تختلف عن طبيعة العلاقة التي كانت سائدة في السابق. وأوضح الأكاديمي وأستاذ القانون الدولي العام والباحث في العلاقات الدولية عامر فاخوري أن الدبلوماسي الجديد يتمتع بمعرفة عميقة بسوريا، حيث سبق له العمل في السفارة الروسية بدمشق، ويتحدث اللغة العربية بطلاقة. بالإضافة إلى ذلك، يمتلك خبرة دبلوماسية واسعة في منطقة الخليج، بعد أن شغل منصب سفير روسيا في سلطنة عُمان وقطر.
وأضاف فاخوري في تصريحاته لـ “عنب بلدي” أن روسيا أرسلت بهذا التعيين دبلوماسياً يفهم طبيعة المنطقة، وقادراً على التواصل بفعالية مع دمشق ومع العواصم الخليجية في آن واحد، وهو أمر بات ضرورياً في ظل تحول العلاقة الروسية السورية من قضية ثنائية إلى شبكة معقدة من المصالح.
تجدر الإشارة إلى أن دوغادكين شغل منصب سفير روسيا لدى قطر في الفترة من تشرين الثاني 2021 إلى تموز 2026، كما ترأس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية الروسية بين عامي 2013 و2017، مما يعكس تراكم معرفي طويل لديه بالملفات الساخنة في الإقليم.
يصف فاخوري مهمة السفير الجديد بأنها ستكون صعبة وحساسة، نظراً للانفتاح المتزايد لسوريا على الدول العربية والخليجية، وكذلك على الولايات المتحدة والدول الغربية. هذا الوضع يتطلب من موسكو وجود شخصية قادرة على التعامل مع هذه الشبكة المعقدة من العلاقات.
وأشار إلى أن المطلوب من دوغادكين لا يقتصر على الحفاظ على المصالح الروسية، بل يتعداه إلى بناء علاقة ثقة مع القيادة السورية الجديدة، والتعامل مع حقيقة أن روسيا لم تعد الطرف الوحيد المؤثر في دمشق، بعد أن أصبحت لدى دمشق خيارات عربية وغربية أوسع مما كانت عليه في السابق.
ويتمثل التحدي الأكبر في إعادة تعريف الدور الروسي في سوريا بأدوات جديدة، حيث باتت موسكو مضطرة للاعتماد بشكل أكبر على الدبلوماسية والتفاوض والاقتصاد، بعد أن كان الاعتماد الأساسي على القوة العسكرية ودعم النظام السابق.
لا يمكن فصل هذا التعيين عن مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا، خصوصاً في قاعدتي حميميم وطرطوس. يؤكد فاخوري أن روسيا لا ترغب في خسارة وجودها الاستراتيجي في سوريا، الذي يمنحها موقعاً مهماً على البحر المتوسط ويدعم تحركاتها باتجاه إفريقيا. لذا، فإن التفاوض حول مستقبل هاتين القاعدتين سيكون من أبرز الملفات على طاولة السفير الجديد.
وتشمل مهمة دوغادكين محاولة تثبيت هذا الوجود العسكري في سياق سياسي وقانوني جديد، يتناسب مع المتغيرات التي تشهدها دمشق وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
إلى جانب الملفين السياسي والعسكري، يبرز بعد اقتصادي واضح لهذا التغيير. تسعى روسيا، وفقاً لفاخوري، إلى توسيع نطاق علاقاتها مع سوريا لتشمل ملفات الموانئ والطاقة والتجارة وإعادة الإعمار، بدلاً من حصرها في الجانب العسكري.
لكنه حذر من أن المنافسة في هذه الملفات أصبحت قوية، نظراً لوجود خيارات عربية وغربية متعددة أمام دمشق. هذا يفرض على موسكو تقديم عروض تنافسية وبناء شراكات اقتصادية حقيقية، بدلاً من الاعتماد على النفوذ السياسي والعسكري وحده.
ويختتم فاخوري تحليله بالتأكيد على أن روسيا لا تغادر سوريا، بل تغير أسلوبها، وأن تعيين دوغادكين يعكس هذا التحول بوضوح، من الاعتماد على القوة العسكرية إلى الاعتماد على الدبلوماسية والتفاوض والاقتصاد، لضمان استمرار النفوذ الروسي في مرحلة ما بعد النظام السابق.
يأتي هذا التعيين في وقت تضغط فيه واشنطن أيضاً للحد من نفوذ موسكو في سوريا. فقد وافقت دمشق على خفض كبير في واردات النفط الروسي كجزء من مناقشاتها الجارية مع الولايات المتحدة بشأن رفع عقوبات رئيسية مفروضة على سوريا. وذكرت وكالة “رويترز” في 4 آب أن مسؤولين سوريين كبار أبلغوا الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة استعدادهم لتقليل واردات النفط الروسي، وذلك أثناء مناقشاتهم حول إمكانية إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفقاً لمصدر سوري مطلع ومسؤول أمريكي ومصدر آخر مطلع على الأمر.
وخلال المناقشات حول إلغاء التصنيف، طلبت واشنطن التزاماً من سوريا بخفض كبير في واردات النفط الروسي، وهو ما حصلت عليه، حسبما ذكر المسؤول الأمريكي والمصدر المطلع على الأمر.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة