وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل: من إدارة الأزمات إلى قيادة التعافي وصناعة الفرص في سوريا


هذا الخبر بعنوان "من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص: هكذا يمكن لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن تقود التعافي السوري" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الدول التي تخرج من النزاعات تُقاس بمدى قدرتها على إزالة الركام، بل بمدى قدرتها على إعادة بناء الإنسان. فالبناء الحقيقي لا يبدأ بالإسمنت والحديد، بل باستعادة الثقة، وإحياء سوق العمل، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وإطلاق طاقات الشباب، وبناء مجتمع قادر على صناعة مستقبله بنفسه. وفي سوريا اليوم، تقف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أمام فرصة تاريخية للانتقال من مجرد أداء وظائف إدارية تقليدية إلى مؤسسة تقود مسار التعافي الاجتماعي والاقتصادي، وتصبح أحد أهم محركات بناء الدولة الحديثة. لقد تغيرت سوريا، وتغير المجتمع، وتبدلت احتياجات المواطنين. لذلك، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى تحسينات جزئية أو تعديلات إجرائية، بل إلى إعادة تعريف شاملة لدور الوزارة ورسالتها وأدواتها. فالوزارة لم تعد معنية فقط بإدارة ملفات الجمعيات الأهلية أو تنظيم سوق العمل، بل أصبحت مطالبة بقيادة مشروع وطني متكامل لإعادة بناء رأس المال البشري، وتحويل المجتمع من حالة الاعتماد على المساعدات إلى مجتمع يقوم على الإنتاج والتمكين.
يتمثل أول التحولات المطلوبة في الانتقال من مفهوم الرعاية الاجتماعية إلى مفهوم الاستثمار الاجتماعي. فالدول الحديثة لا تنظر إلى المواطن المحتاج بوصفه عبئًا على الموازنة العامة، بل بوصفه طاقة إنتاجية يمكن استعادتها إذا توفرت لها الأدوات المناسبة. ومن هنا، تكتسب برامج التدريب المهني، والتأهيل، وريادة الأعمال، والتمكين الاقتصادي أهمية تفوق الاعتماد على برامج الإعانات التقليدية وحدها. أما التحول الثاني، فيكمن في بناء سياسات اجتماعية تستند إلى البيانات لا إلى التقديرات. فلا يمكن صياغة سياسات فعالة دون قاعدة بيانات وطنية دقيقة ترسم خريطة الفقر، والبطالة، والإعاقة، والهشاشة الاجتماعية، والمهارات، واحتياجات سوق العمل. فامتلاك البيانات الدقيقة هو نقطة الانطلاق نحو القرار الرشيد، وأساس العدالة في توزيع الموارد، وأحد أهم أدوات الحد من الهدر وتعزيز كفاءة الإنفاق.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن وزارة عصرية دون تحول رقمي شامل. فالمواطن يجب أن يكون قادرًا على الوصول إلى الخدمات إلكترونيًا بسهولة، وأن تُدار الملفات بكفاءة وشفافية، بما يختصر الوقت والجهد، ويخفض التكاليف، ويعزز الثقة بالمؤسسات العامة. ومن الأولويات أيضًا إعادة بناء العلاقة بين التعليم وسوق العمل، إذ تمثل الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد أحد أبرز أسباب البطالة. ومن هنا، ينبغي أن تقود الوزارة شراكة وطنية مع الجامعات، والمعاهد، والقطاع الخاص، لتطوير المهارات المطلوبة، وربط التدريب باحتياجات سوق العمل، وتوسيع برامج التدريب العملي والتأهيل المهني.
وفي المقابل، ينبغي إعادة تعريف العلاقة مع منظمات المجتمع المدني. فهذه المنظمات ليست منافسًا للدولة ولا بديلًا عنها، وإنما شريك أساسي في تنفيذ البرامج التنموية والوصول إلى المجتمعات المحلية. غير أن نجاح هذه الشراكة يتطلب إطارًا مؤسسيًا واضحًا يقوم على الحوكمة، والشفافية، وقياس الأداء، وتعزيز الثقة المتبادلة. كما أن مستقبل سوق العمل السوري يتطلب رؤية أكثر مواكبة للتحولات العالمية. فالعالم يتجه نحو الاقتصاد الرقمي، والعمل عن بُعد، والاقتصاد الإبداعي، وريادة الأعمال، والمهارات الرقمية، في حين لا تزال كثير من السياسات التقليدية تركز على أنماط تشغيل لم تعد كافية لتلبية متطلبات المستقبل. لذلك، فإن الاستثمار في المهارات الرقمية، والاقتصاد الأخضر، والمهن المستقبلية، لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية. ولا تقل أهمية عن ذلك إعادة تطوير منظومة الحماية الاجتماعية لتصبح أكثر عدالة وكفاءة واستهدافًا. فالحماية الاجتماعية الحديثة لا تقتصر على تقديم الدعم، بل تشمل التأمينات الاجتماعية، والحماية من الفقر، والاستجابة للصدمات، وبرامج التمكين والدمج الاقتصادي، بما يساعد الأسر على الانتقال تدريجيًا من الاعتماد إلى الاستقلال الاقتصادي.
وتملك الوزارة أيضًا فرصة لتكون منصة وطنية للعمل التطوعي، من خلال تنظيم المبادرات المجتمعية، واستثمار طاقات الشباب، وتحويل العمل التطوعي إلى رافد للتنمية المحلية ومدرسة لترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية الاجتماعية. غير أن نجاح هذه التحولات جميعها يتطلب تغييرًا في معايير قياس الأداء. فلا ينبغي أن يُقاس النجاح بعدد الاجتماعات أو الورش أو المذكرات الموقعة، بل بعدد فرص العمل المستحدثة، ومعدلات انخفاض البطالة، وعدد الأسر التي خرجت من دائرة الفقر، ومستوى رضا المواطنين عن الخدمات، وحجم الأثر الحقيقي الذي تحقق على أرض الواقع. إن الدول لا تُبنى بالخطط وحدها، وإنما بالقدرة على تحويل الرؤى إلى نتائج ملموسة. وسورية تمتلك من الكفاءات والخبرات والطاقات البشرية ما يؤهلها لبناء نموذج اجتماعي وتنموي جديد، إذا توافرت الإرادة، واعتمدت الإدارة على الكفاءة، والشراكة، والشفافية، والتخطيط طويل الأمد. لقد آن الأوان لأن تتحول وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من مؤسسة تُدير الأزمات إلى مؤسسة تصنع الفرص، ومن جهة تعالج آثار المشكلات إلى جهة تعمل على الوقاية منها، ومن وزارة يُقاس نجاحها بحجم نشاطها الإداري إلى وزارة يُقاس نجاحها بالأثر الذي تتركه في حياة المواطنين. إن نجاح هذه الوزارة لن يكون نجاحًا لمؤسسة حكومية فحسب، بل سيكون نجاحًا لمشروع الدولة السورية في مرحلة التعافي، لأن إعادة بناء الإنسان ستظل، على الدوام، الخطوة الأولى في اعادة بناء الوطن (موقع:أخبار سوريا الوطن).
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد