صافيتا تستعيد عبق الماضي: فعالية "حارة بيت جدي" تعيد إحياء التراث من القلعة إلى "بو آمون"


هذا الخبر بعنوان "حارة بيت جدي.. فعالية تستعيد ذاكرة صافيتا من القلعة إلى الـ”بو آمون”" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب حي القلعة التاريخي بمدينة صافيتا، وبالقرب من برجها الشامخ، وفي رحاب الملتقى العائلي للنادي الأهلي الاجتماعي، يبذل شباب المدينة جهوداً حثيثة لإعادة إحياء تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طياتها ذاكرة أجيال بأكملها. من الأول وحتى الخامس من شهر آب، تحتضن صافيتا فعالية "حارة بيت جدي"، وهي مبادرة فريدة تجمع بين عبق التراث المحلي، وروعة الحرف اليدوية، ونكهة المأكولات الشعبية الأصيلة، مقدمةً تجربة غنية تناسب مختلف الأعمار.
تضم الفعالية سوقاً نابضاً بالحياة يعرض منتجات تراثية صنعتها أيادٍ محلية ماهرة، بدءاً من المونة البيتية بأنواعها المختلفة كالمربيات وماء الورد والزعتر والكشك، وصولاً إلى إبداعات الكروشيه والشموع المصنوعة يدوياً، والأدوات الخشبية، والطائرات الورقية الملونة، والنباتات الطبيعية. كما يحتضن المكان معرضاً للأدوات التراثية القديمة، وصوراً أرشيفية توثق تاريخ صافيتا العريق، إلى جانب صور حديثة ولوحات فنية مستوحاة من عمارتها المميزة.
وفي تصريح لـ"سناك سوري"، أوضح منسق الفعالية، كنان عيسى، أن "حارة بيت جدي" تأتي كمحاولة معاصرة لإحياء تراث صافيتا، من خلال دمج الحرف التقليدية مع الذاكرة البصرية وفنون العمارة المحلية. وأضاف أن الفعالية تتضمن مساحة صغيرة مصممة لإعادة الأطفال إلى أجواء اللعب في الحارات كما عاشها الأهل والأجداد.
وأشار عيسى إلى أن اسم الفعالية انبثق من ملاحظة بسيطة حول تراجع حضور الحارات التي كانت تعج بالأطفال في صافيتا، نتيجة للتوسع العمراني وتغير أنماط الحياة. ومن هنا، ولدت فكرة استعادة هذا المشهد الحيوي ولو لبضعة أيام.
مساحة للتعبير والإبداع للشباب
لا تقتصر الفعالية على استعادة الكبار لذكرياتهم، بل تسعى أيضاً لتعريف الأطفال والشباب بتفاصيل حياتية قد لا يكونون قد عاشوها، مثل منقل العرانيس المشوية، و"النملية"، والمونة، والأكلات التراثية التي اشتهرت بها المدينة، في ظل الحضور المتزايد للشاشات في تفاصيل الحياة اليومية.
يؤكد عيسى أن التكنولوجيا تبقى أداة للتوثيق، لكنها لا يمكن أن تحل محل تجربة العيش الحقيقية. لذلك، تظل اللقاءات المباشرة والأنشطة المجتمعية ضرورية للحفاظ على الذاكرة المشتركة.
وأشار إلى أن معظم المشاركين هم من أبناء صافيتا وريفها، بمن فيهم حرفيون ذوو خبرة ومجتمعون معروفون. ويلفت الانتباه حضور عدد من الشباب الذين يقدمون الحرف التقليدية بلمسة وأساليب جديدة، مما يمنحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم والتواصل المباشر مع الجمهور بعيداً عن العالم الافتراضي.
يسعى النادي الأهلي الاجتماعي، بحسب عيسى، دائماً لتوفير مساحات للشباب لاكتساب خبرات في العمل الثقافي والاجتماعي وتنظيم الفعاليات. وأكد أن المدينة بحاجة دائمة لمساحات ثقافية جديدة، فكل مساحة إضافية تمثل فرصة للشباب والمجتمع.
وعن اختيار الموقع، أكد عيسى أن حي القلعة ليس مجرد مكان للاستضافة، بل هو جزء لا يتجزأ من الفعالية. فقد كان من أوائل جهود النادي تحويل هذا المكان من مجرد خراب مهجور إلى مركز ثقافي وفني واجتماعي. بالإضافة إلى طابعه الأثري، فإن روحه تشبه عمارة برج صافيتا، مما يمنح الزائر شعوراً أقرب إلى العودة إلى زمن الحارات القديمة.
منتجات تحمل حنين المغتربين
من بين المشاركات، تعرض "غانية الدالي" تشكيلة من المونة البيتية، تشمل الكشك البلدي، والزعتر، والمكدوس، والمربيات، وماء الورد، وماء الزهر. وتؤكد أن هذه المنتجات لا تزال مطلوبة بشدة، خاصة من السوريين المغتربين، حيث يرتبط الطلب عليها بالحنين إلى الوطن والأمهات والجدات. وتصل منتجاتها إلى الولايات المتحدة وكندا ودول الخليج ولبنان، وهي مهنة توارثتها عن والدتها وتأمل أن تستمر عبر الأجيال.
الكروشيه.. التراث بلغة جديدة
الشابة كارلا ماريا عبود، البالغة من العمر 20 عاماً، تشارك بمجموعة من أعمال الكروشيه المستوحاة من التراث السوري. وتقول إن المعارض تمنح الحرفيين فرصة لعرض أعمالهم مباشرة أمام الجمهور، مما يساعدهم على إبراز قيمة العمل اليدوي ودقته. ترى أن الاهتمام بهذه المنتجات قد عاد للارتفاع، حيث يبحث الكثيرون عن قطع فريدة تضيف لمسة شخصية، بعيداً عن المنتجات المتشابهة. وتعتبر أن امتلاك الشباب لمهارة يدوية يمنحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم وتطوير قدراتهم.
"بو آمون".. وجبة تحكي لهجة صافيتا
وفاء عطية، وهي معلمة متقاعدة، تقدم عدداً من المأكولات التراثية الخاصة بالمنطقة، أبرزها "بو آمون" و"القريميطة" و"قراص الأربعين". وتوضح أن "بو آمون" من الأكلات الشهيرة في صافيتا، وتُحضّر من البرغل الناعم مع الحمص والبصل والنعناع اليابس والفليفلة، ثم تُحشى داخل عجينة خاصة وتُخبز. وتؤكد أن هذه الأكلة لا تزال تحظى بإقبال كبير، حتى من قبل الأشخاص الذين لا يتقنون إعدادها، فيلجؤون لمن يصنعها. وتشير إلى أن عرضها في الفعاليات التراثية يساهم في الحفاظ على جزء من هوية المدينة ونقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة.
في ختام الفعالية، وبين صور الماضي العريق وروائح المونة الزكية وأصوات الزوار المتناغمة، تثبت "حارة بيت جدي" أن التراث ليس مجرد مقتنيات قديمة، بل هو ذاكرة حية يمكن أن تُعاش من جديد، ولو لبضعة أيام، في قلب صافيتا النابض بالحياة.
أنتجت هذه المادة ضمن زمالة سناك سوري 2026.
ثقافة
اقتصاد
ثقافة
ثقافة