استنفار الجيش السوري: إعادة هيكلة قيادية وراء التوترات في حماة ودمشق


هذا الخبر بعنوان "صحيفة: ماذا كان وراء ” استنفار الجيش السوري ” الثلاثاء ؟" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن التوتر الذي شهدته العاصمة دمشق ومحافظة حماة، الثلاثاء الماضي، واستنفار الفرقة 62 بقيادة العميد محمد جاسم المعروف بـ «أبو عمشة»، مفاجئاً لبعض السوريين، نظراً لطبيعة التشكيلات المسلحة التي باتت تشكل نواة المؤسسة العسكرية الجديدة، وحتمية ظهور خلافات النفوذ واستمرار النزعة الفصائلية. تزامن هذا التوتر المحلي مع عملية نقل قوات عسكرية «روتينية تدريبية للوحدات المنتشرة على الحدود السورية، شرقاً مع العراق وغرباً مع لبنان»، مما فسّر على أنه حالة استنفار تطال البلاد بأكملها.
في الواقع، كانت المؤسسة العسكرية تشهد مؤخراً سلسلة قرارات تتعلق بإعادة هيكلة تشكيلات منخرطة في وزارة الدفاع، شملت إعفاء وتعيين ونقل عدد من القادة، بهدف تعزيز مركزية القرار العسكري وتقليص نفوذ بعض الفصائل الذي استمر لسنوات الحرب السورية. في ظل هذه الأجواء، شهدت مدينة حماة استنفاراً عسكرياً وانتشاراً للآليات والعناصر في محيط المدينة ومناطق الريف القريب، حيث مقار الفرقة 62 التابعة للجيش السوري، وهو ما قابله انتشار أمني مكثف ووصول تعزيزات عسكرية للمنطقة.
تزامن الاستنفار في حماة مع صدور قرار بتعيين العميد محمد الجاسم نائباً لقائد فيلق المنطقة الوسطى، وتنحيته عن قيادة الفرقة 62. صدرت هذه الأوامر أثناء وجود الجاسم في مقر قيادة الجيش السوري واجتماعه مع وزير الدفاع مرهف أبو قصرة وقيادات عسكرية في دمشق، واعتُبر ذلك تقليصاً لنفوذه. أوضحت المصادر أن الهيكلة الجديدة للجيش السوري، وما تحمله من ترميم وإعادة ترتيب للمناصب والمواقع القيادية، ستشمل إنهاء مهام العديد من قادة الفرق والألوية العسكرية، وإعادة نقلهم وتعيينهم في مواقع ورتب جديدة ضمن المؤسسة العسكرية.
لم تقتصر القرارات على الجاسم وحده، بل شملت تغيير قادة الوحدات والفرق العسكرية التي من المفترض أن تنضوي تحت مظلة الفيلق الثاني المسؤول عن قيادة المنطقة الشمالية، والذي يضم الفرقة 62 والفرقة 76 والفرقة 60 والفرقة 80. شهدت العاصمة حضوراً عسكرياً وأمنياً مكثفاً في ذلك اليوم، ضم إلى جانب قيادة المؤسسة العسكرية، سيف أبو بكر قائد الفرقة 76، وجميل الصالح قائد الفرقة 74، ومحمد الجاسم قائد الفرقة 62، ومعتصم عباس، القائد السابق لفرقة المعتصم شمال حلب، وثائر معروف، قائد لواء سمرقند، وعبد الناصر أبو جلال، القيادي في الفرقة التاسعة سابقاً، مع إنهاء مهامهم ضمن الفرقة 80.
بعد الاجتماع، وحسب مصادر قريبة من أجوائه، أبلغ قائد الفرقة 76 سيف أبو بكر قيادة وزارة الدفاع بقرار استقالته وبدء عملية تسليم مهام قيادة الفرقة الموجودة شمال مدينة حلب، لصالح «محمود درغام حامدي» المعروف باسم «أبو عدي سرايا». جاءت ردود الفعل من وحدات الفرقة 62 نتيجة عوامل عدة، أبرزها الخلاف بين محمد الجاسم (أبو عمشة) والقيادة العسكرية، بسبب رفضه نشر ألوية تابعة لفصيله في الجنوب السوري والحدود السورية – اللبنانية بريف دمشق، ورفضه أيضاً الانسحاب من الشمال السوري الذي يُعدّ مقره الأول، لاعتقاده بأنها «محاولة لتفكيك وتشتيت قواته».
لكن المصادر أكدت على «انتهاء التوتر واحتوائه فوراً»، بفضل التزام الفرقة 62 بقرارات القيادة العسكرية وتحققها من زيف الشائعات حول اعتقال قائدها، وإعلان الجاسم قبوله بالمنصب الجديد «الذي يمنحه صلاحيات وتكليفات جديدة، عكس ما يُشاع حول عزله وإنهاء خدماته». انتهت الأزمة ليلتها، لكن زوبعة الأخبار التي انتشرت لم تنتهِ سريعاً. نفت مصادر متعددة لـ«الشرق الأوسط» وجود «أي رابط بين ما شهدته المنطقة الوسطى، الثلاثاء، وما تعيشه المنطقة من توترات وتطورات إقليمية»، مما دفع إلى تأويل التحركات الروتينية على الحدود السورية مع لبنان والعراق، أو نسبتها إلى مطالب داخلية، مثل اشتراط قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تفكيك وعزل قادة عسكريين محددين.
تؤكد المعطيات المتاحة أن القرارات الأخيرة جاءت لتقليص نفوذ بعض قادة الفصائل العسكرية، تمهيداً لإخراجهم من دائرة الإعلام والأضواء، بالنظر إلى العقوبات التي فرضت على محمد الجاسم وفصيله «السلطان سليمان شاه»، وسيف أبو بكر، قائد فرقة الحمزة، من قبل وزارة الخزانة الأميركية والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، بعد أحداث الساحل السوري في مارس 2025. تُعدّ هذه الخطوة ضمن سلسلة خطوات تهدف إلى تفكيك هذه الفصائل كي لا تتضرر المؤسسة العسكرية من العقوبات.
سبق لوزارة الدفاع أن أطلقت مشروعاً لهيكلة المؤسسة العسكرية بنظم جديدة، تقوم على تشكيل ستة فيالق عسكرية، وتقليص دور وصلاحيات الفرق العسكرية حسب المنهجية الإدارية المعمول بها سابقاً، وتغطية الجغرافيا السورية ضمن منظومة الفيالق، وإنهاء ما تبقى من مظاهر الفصائلية. تشير التطورات العسكرية الأخيرة في محافظة حماة، والمتعلقة بنقل قائد الفرقة 62، إضافة إلى نقل قادة آخرين في الشمال السوري، إلى جهود مستمرة ضمن عملية إعادة هيكلة الجيش السوري. يرى ضياء قدور، الباحث المختص بالشؤون العسكرية والأمنية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الخطوات تهدف أساساً إلى «تعزيز المركزية والانضباط المؤسسي، وتقليص التأثيرات الفصائلية المتبقية التي قد تعيق بناء مؤسسة عسكرية موحدة». يضيف أن هذا الإجراء يندرج بالدرجة الأولى ضمن مسار إعادة الهيكلة الشامل، مع إمكانية وجود عوامل إضافية تتعلق بتحسين الأداء المهني وتعزيز الولاء المؤسسي على حساب الولاءات السابقة، وتجنب تداعيات قانونية دولية. ويرى قدور أن التوتر الذي رافق القرار كان «متوقعاً في ظل النزعات الفصائلية التي ما زالت تظهر لدى بعض التشكيلات، رغم اندماجها الشكلي في الجيش».
من جهته، يتفق العميد عماد شحود، الخبير العسكري، مع فكرة ضرورة بناء جيش عصري وموحد، يكون انتماؤه خالصاً لسوريا، مشيراً إلى أن «عملية نقل القادة وآمري الفرق والألوية العسكرية، تعدّ إجراءً روتينياً في غالبية المؤسسات العسكرية؛ بهدف ضمان انتماء الأفراد وتجنب ظهور ولاءات داخلية قد تهدد وحدة الجيش». وتظهر تحركات الحكومة السورية، حسب شحود، مساعي جدية لبناء جيش وطني موحد يضم مختلف شرائح المجتمع وانتماءاتهم، بدءاً من العناصر وصولاً إلى القيادات العليا، وولاؤها للدولة والمؤسسات السورية، ببنية وطنية تتجاوز حدود المناطقية والقومية والعقائدية، وهو الأمر الصحي الذي بدأته الدولة السورية فعلياً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة