سوريا: كيف نوقف دوامة العنف ضد الأطفال في ظل الأزمات المتفاقمة؟


هذا الخبر بعنوان "من يكسر حلقات العنف ضد الأطفال في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد مؤلم وثّقته عدسات الكاميرات، طفل صغير يختبئ بوجهه بين يديه ويبكي تحت شرشف أبيض، محاولاً الفرار من مصدر خوفه. يظهر في المقطع المصور، الذي يعود لطفل لا يتجاوز عمره عامين، شخص بالغ يعنّفه ويضربه بعبارات قاسية مثل: “يلا موت، خلصني”، قبل أن يلقي عليه كرسيًا. هذا المشهد، الذي لا يمثل حالة فردية، أثار جدلاً واسعًا حول سبل حماية الأطفال، وفتح الباب للنقاش حول أشكال العنف الخفية داخل الأسر، والتي قد تتفاقم لتسبب أذى بالغًا.
تأتي هذه الحادثة في أعقاب سلسلة من جرائم قتل الأطفال التي وقعت مؤخرًا، بدءًا من مقتل الطفلة فرح عمار الحمود في بلدة غباغب بريف درعا بعد اختفائها، مرورًا بقضيتي الطفلة نور مهند الدوس في درعا والطفلة غلا في دير الزور، حيث أشارت التحقيقات إلى تعرض الضحايا لاعتداءات جنائية.
لماذا تتكرر هذه الجرائم؟
ترى الباحثة في علم الاجتماع، غدران نجم، أن جرائم قتل الأطفال الأخيرة ليست حالات منفصلة، بل هي مؤشر على بيئة اجتماعية ونفسية معقدة تحيط بالأطفال والأسر. وأوضحت نجم في تصريح لـ”عنب بلدي” أن العنف المتطرف غالبًا ما يكون نتيجة تراكم عوامل متعددة، منها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وآثار سنوات الحرب والنزوح، وضعف شبكات الدعم الاجتماعي. وتعيش بعض الأسر تحت ضغوط مستمرة تؤثر على تعاملها مع الأطفال، بسبب الظروف المعيشية الصعبة، أو التوترات الأسرية، أو نقص الوعي بأساليب التربية السليمة.
وأشارت نجم إلى أن ضعف آليات الحماية والإنذار المبكر يساهم في استمرار الخطر، حيث قد تظهر مؤشرات العنف قبل وقوع الجرائم، مثل الإهمال، أو التوتر الأسري المزمن، أو استخدام العنف كوسيلة للتربية، أو غياب شخص يلجأ إليه الطفل. الطفل الذي يعيش في بيئة يسودها الخوف قد يفقد قدرته على التعبير عن معاناته، مما يجعل اكتشاف الخطر أكثر صعوبة ويزيد من احتمالية استمرار دائرة العنف.
تؤكد الباحثة أن التعامل مع هذه الجرائم يتطلب تجاوز ردود الفعل المتأخرة، وبناء منظومة حماية تبدأ باكتشاف الإشارات المبكرة، ودعم الأسر، وتعزيز دور المؤسسات القادرة على التدخل الوقائي.
العنف الذي يبدأ تحت مسمى التربية
لا يقتصر العنف ضد الأطفال على الحالات التي تصل إلى المحاكم، بل يبدأ أحيانًا داخل المنزل بممارسات يعتبرها البعض وسائل للتأديب، مثل الصراخ أو الإهانة أو الضرب. وتكمن المشكلة، حسب الباحثة غدران نجم، في النظرة المجتمعية التي قد تعتبر هذه الممارسات سلوكًا عاديًا. ويتطلب كسر هذه الدائرة تغيير النظرة إلى التربية، بحيث لا تعتمد على القوة، بل على الحوار ووضع الحدود الواضحة دون إيذاء.
كما أن انتشار مقاطع التعنيف على منصات التواصل الاجتماعي يكشف عن وجود أشكال من الأذى يعيشها الأطفال قبل وصول قضاياهم إلى الجهات المختصة، مما يثير تساؤلات حول دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في الاكتشاف المبكر والتعامل مع هذه الحالات.
تقديرات “يونيسف” للعنف ضد الأطفال
تشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن نحو 400 مليون طفل دون سن الخامسة حول العالم يتعرضون بانتظام لعنف نفسي أو عقاب جسدي، مما يعكس انتشار أشكال من العنف تبدأ في مراحل مبكرة. وتؤكد الدراسات أن آثار هذه الممارسات تمتد إلى ثقة الطفل بنفسه، وقدرته على التعلم، وعلاقاته الاجتماعية. حتى “الضرب الخفيف” أو العقاب الجسدي، الذي قد يعتبره بعض الأهالي وسيلة تربوية، يؤثر على شعور الطفل بالأمان ويغير طبيعة العلاقة الأسرية.
الحماية تبدأ قبل وقوع الجريمة
رغم أهمية التشريعات، لا يمكن أن تعتمد حماية الطفل على القانون وحده. تحتاج إلى منظومة أوسع تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمؤسسات الاجتماعية. ويعد التدخل المبكر عاملًا أساسيًا في الحد من تحول العنف إلى نتائج خطيرة، حيث تسبق كثيرًا من الحالات إشارات يمكن ملاحظتها، مثل التوتر الأسري المستمر، أو تغير سلوك الطفل، أو تعرضه للإهمال.
وجود جهات متخصصة لاستقبال الشكاوى، وتدريب العاملين في المدارس والخدمات الاجتماعية على اكتشاف مؤشرات الخطر، يمكن أن يساعد في الوصول إلى الأطفال قبل تفاقم المشكلة. كما أن دعم الأسر، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يشكل جزءًا أساسيًا من الوقاية.
لا تقتصر مسؤولية حماية الطفل على محاسبة المعتدي، بل تشمل بناء بيئة آمنة تتيح للطفل التعبير عن خوفه أو أذاه دون صمت أو تجاهل.
بين الحماية القانونية وواقع التطبيق
في سوريا، أعلنت وزارة العدل إعداد مشروع قانون لمواجهة العنف الأسري، يتضمن آليات للحماية والوقاية، وإنشاء جهات متخصصة، وتشديد العقوبات. وأوضح المحامي ضياء بدر الدين أن المشروع يستهدف أفراد الأسرة، وخاصة النساء والأطفال، ويستحدث آليات شرطية وقضائية متخصصة. يهدف المشروع إلى تعزيز إجراءات حماية الضحايا وتوفير الرعاية والدعم لهم.
ترى الباحثة غدران نجم أن وجود التشريعات خطوة مهمة، لكن الحماية الفعلية مرتبطة بقدرة المؤسسات على تحويل النصوص القانونية إلى إجراءات عملية تبدأ برصد مؤشرات الخطر والتدخل المبكر. فعالية القانون لا تقاس بالعقوبات فقط، بل بمدى قدرة المؤسسات على الوصول إلى الحالات المعرضة للخطر وتوفير بيئة آمنة للأطفال.
سوريا محلي
اقتصاد
سوريا محلي
ثقافة