سوريا وروسيا: مذكرة تفاهم جديدة تحول قاعدتي حميميم وطرطوس إلى مراكز تدريب مشتركة


هذا الخبر بعنوان "الخارجية السورية: تحويل قاعدتي حميميم وطرطوس إلى “مراكز تأهيل مشترك”" نشر أولاً على موقع halabtodaytv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تطور يعكس تحولاً جوهرياً في العلاقة بين دمشق وموسكو، أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، يوم الأحد، عن التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الجانب الروسي، بعد عام ونصف العام من المفاوضات، لحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس. ترسم المذكرة ملامح مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، تنص على إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، مع نقل إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، مثل مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في طرطوس، إلى الدولة السورية. أما القواعد العسكرية فسيتم تحويلها إلى “مراكز تدريب وتأهيل مشتركة”، في خطوة تمثل تحولاً من الوجود العسكري الواسع إلى شراكة أكثر توازناً، تراعي السيادة السورية والمصالح المتبادلة.
مذكرة تفاهم وسقف زمني
نقلت وكالة سانا للأنباء عن مصدر في وزارة الخارجية أن مذكرة التفاهم تحدد سقفاً زمنياً لا يتجاوز 3 أشهر لاستكمال عملية التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. وفي تعليقه على هذا الاتفاق، قال الكاتب والمحلل السياسي السوري أحمد مظهر سعدو، لحلب اليوم، إن الحكومة السورية الجديدة تحاول في العهد الجديد الخروج ما أمكن من عنق الزجاجة وحالة الاستعصاء التي وضعت بها سوريا بعد التدخل الروسي أواخر أيلول/سبتمبر ٢٠١٥، والتي عملت عليها أدوات النظام المخلوع وكان هدفه حينها المزيد من الدعم العسكري الروسي حفاظاً على النظام السياسي من السقوط.
من جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي السوري حسام نجار أن العلاقة السورية الروسية طالما كانت تحكمها المصالح، وأن روسيا كانت المستفيد الأكبر. فعلى مدار السنوات الطويلة، كانت سوريا محطة انطلاق روسية على البحر الأبيض المتوسط، مما يبرر التمركز الروسي على الساحل. وبما أن سوريا هي الأرض الوحيدة التي استطاع الروس استغلالها، فمن الصعب التخلي عنها بسهولة. وهذا يبرر لسوريا استخدام قوتها لصالح النظام ضد الثورة السورية. لكن انتصار الثورة جعل من روسيا دولة غير مرغوب فيها لدى الشعب السوري بالعموم، وهو أمر ظاهر وجلي. إلا أن رغبات الشعب لا تنطبق على الدولة، فمن المعروف قوة روسيا أممياً بوجودها كدولة لها حق الفيتو، لذا فإن الدولة السورية تتعامل ببراغماتية كبيرة. وعلينا أن لا ننسى الطلبات الأمريكية بضرورة تحجيم روسيا في سوريا عسكرياً في البداية.
وبموجب المذكرة، تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية في مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، وإدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية. أما القواعد والمنشآت العسكرية، فسيتم إعادة صياغة وظيفتها. وجاء هذا الاتفاق بعد مفاوضات مكثفة، تزامنت مع متغيرات كبيرة في المشهد السوري، أبرزها سقوط نظام الأسد، وبدء مرحلة جديدة من العلاقات بين دمشق وموسكو. وقد أثارت الإطاحة بالأسد تساؤلات حول مستقبل القاعدتين، اللتين كانتا تمثلان ركيزة أساسية للوجود العسكري الروسي في المنطقة. لكن موسكو، التي أقامت علاقات مع الحكومة السورية الجديدة، سعت للحفاظ على وجودها من خلال إعادة تعريفه بما يتناسب مع المرحلة الجديدة.
ويرى مظهر سعدو أن نظام الأسد كاد أن يسقط أواخر عام ٢٠١٣ قبل أن تسرع حكومة بشار الأسد إلى الاستنجاد بالروس، وقبلها بالإيرانيين، في مواجهة الثورة الشعبية السورية. ولأن الوجود الروسي على الجغرافيا السورية لم يكن شرعياً، فقد حاولت حكومة دمشق الحالية العمل على إيجاد اتفاقيات جديدة تعيد تموضع الوجود الروسي في سياق تحديد هذا الوجود وربطه بالسيادة الوطنية السورية وليس بالمصلحة الروسية فقط. وجاءت مذكرة التفاهم اليوم، ليضيف الكاتب، لترسم ملامح مستقبلية للتواجد الروسي، وليتم على أساسها إحداث اتفاقات مدنية وعسكرية تأخذ بنظر الاعتبار المصلحة السورية أولاً، وليس فقط المصالح الروسية كما كان أيام النظام الأسدي المخلوع.
من جانبه، قال نجار إن الاتصالات المتبادلة والزيارات التي تسعى لتحديد العلاقة بين الجانبين، وخاصة بوجود رموز النظام البائد لدى روسيا، مما يجعل ورقة المساومة لدى الطرف السوري كبيرة جداً، بنت هذه الاتفاقية بحيث تضمن مصالح سوريا الدولية وعدم وقوعها بالإحراج أمام الإدارة الأمريكية، وكذلك بما لا يؤثر على القرارات والمواقف الروسية المستقبلية الخاصة بسوريا.
مراكز تدريب مشتركة
نصت مذكرة التفاهم على تحويل القواعد العسكرية الروسية إلى “مراكز تأهيل وتدريب مشتركة” دون ذكر كلمة “عسكرية” رغم أن السياق يوحي بذلك. ويرى سعدو أن الحديث عن تواجد مراكز تدريب مشتركة بين الطرفين يقصد بها على الأرجح، رغم ضبابيتها، أن تكون هناك مراكز عسكرية للتدريب، وهو ما تحتاجه اليوم عملية بناء المؤسسة العسكرية السورية الجديدة، التي مازالت تعتمد بشكل أساسي على السلاح الروسي فقط، رغم حرص القيادة الجديدة على أهمية أن تكون هناك مصادر متعددة للسلاح وليس السلاح الروسي بحد ذاته. ورجح أن تحويل مطار حميميم إلى مطار مدني يعني بالضرورة السحب التدريجي للسيطرة على المطار لتتحول إلى أن يكون المطار تابعاً للحكومة السورية وليس للروس فقط كما كان سابقاً. وهي خطوة مهمة وضرورية، ومن الممكن أن تكون مدخلاً مستقبلياً لإنهاء الوجود الروسي العسكري في سوريا برمته، وهذا ما يأمله معظم السوريين.
من جانبه، يلفت نجار إلى أن الوجود الروسي لا يقتصر على مطار حميميم أو القاعدة في طرطوس، بل يشمل العديد من الأماكن الصناعية السورية. فموسكو استلمت مصنع السماد الآزوتي في حمص سابقاً، وكذلك الإشراف على بعض حقول النفط. كما أن السلاح الروسي الموجود في سوريا له ترتيبات أخرى، تضاف كذلك الديون الروسية على النظام البائد. كل هذه الأمور تبقى ثانوية مقابل التواجد العسكري الروسي. فكيف سوف تتحول لمراكز تأهيل وتدريب؟ هل السلاح العسكري السوري سوف يكون متعدد المصادر؟ وهل سيكون هناك ضباط روس للتدريب؟ أسئلة يجب توضيحها.
وتساءل نجار: هل أوراق المساومة السورية قادرة على الصمود في وجه القوة الروسية؟ وهل تلك الترتيبات موافق عليها أمريكياً؟ وهل العقود الخاصة باستكشاف النفط في الساحل ما زالت سارية أم أنها خارج هذه الاتفاقية؟ مضيفاً بالقول: “ما يهمنا أن تكون مصالح الدولة السورية محققة وأن تكون سيادية”.
ويحمل هذا الاتفاق، وفق متابعين، عدة دلالات مهمة، أبرزها استعادة السيادة عبر نقل إدارة المنشآت المدنية إلى الدولة السورية، مع الحرص على تطوير العلاقة مع موسكو عبر تحويل القواعد العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة، ما يعني انتقال العلاقة من التبعية العسكرية إلى الشراكة المؤسسية، بما يخدم مصالح البلدين. ويُظهر الاتفاق أن سوريا قادرة على إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى وفرض شروطها، بما يحقق سيادتها ومصالحها الوطنية.
سياسة
سياسة
سياسة
عاجل