خفايا الكذب الصحفي: قصص من التاريخ تكشف تضليل الإعلام


هذا الخبر بعنوان "من تاريخ الكذب في عالم الصحافة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في دمشق، شاركني صحفي مقرب من مالك جريدة أسبوعية تفاصيل عن أكاذيب سياسية كانت تنشرها الجريدة، التي ادعت صدورها وترخيصها في باريس. في الواقع، كان رئيس التحرير ومالكها، بالإضافة إلى شخصين آخرين، يكتبون محتواها في مكتب صغير يقع في قبو قرب ساحة الأمويين بدمشق. في ذلك الوقت، كنت من المعجبين باللغة الرفيعة والمعلومات التي بدت عصية على التحقق أو الحصول عليها من مصادر رسمية. لم أكن أدرك، شأن الكثيرين، أنهم كانوا يؤلفون قصصًا سياسية بعناوين بارزة حول مؤامرات دولية، مثل "الفتنةـ المؤامرة" التي ربطت بأحداث القامشلي والمؤامرة الإسرائيلية- الأمريكية، وعناوين أخرى مثل "عبد الحليم خدام يكسر البيضة السورية" و"ماذا قال الحريري في واشنطن عن سوريا"، والتي اتهمت شخصين بنسج مؤامرة انقلابية ضد نظام الأسد في سوريا، وغيرها من القصص التي كانت تصاغ حسب الطلب.
بشكل منفصل، حدثني صديق مؤخرًا عن إعجابه بأعمدة رأي لأحد الأدباء العرب وتأثره بمضامينها، قبل أن يكتشف أنها كانت مجرد خيالات لا وقائع، مما أدى إلى انهيار صورة الكاتب لديه. كما روى لي صحفي آخر عن تجربته في عالم الأبحاث والدراسات، حيث قدم لمنظمة إقليمية دراسة كاملة بمراجع وأرقام وهمية، مما كشف عن تضليله.
تزخر عالم الصحافة بالكثير من القصص المظلمة، حيث يوجد صحفيون يتقنون فن الكتابة لكنهم يفتقرون إلى أخلاقياتها. يمكن اعتبار هؤلاء "راسبوتين" صحفيين، قد لا ينكشف أمرهم أبدًا ويموتون بأسرارهم، أو قد ينكشفون ليحرجوا أنفسهم ومؤسساتهم ويضعفوا الثقة بالصحافة.
تعيدني هذه السيرة إلى قصص صحفيين مخادعين اشتهرت قصصهم، منهم ستيفن غلاس، الذي اخترع عالمًا كاملًا من القصص ونشرها في مجلة “The New Republic” في الثمانينيات، ليصبح من أشهر الصحفيين الشباب في واشنطن. أغرق غلاس المجلة بقصص عن قراصنة الإنترنت، وسياسيين، ومؤتمرات سرية، وفضائح شركات. لكن صحفيًا آخر في موقع “Forbes” شك في قصة عن قراصنة مراهقين، تبين أنها تتحدث عن شركة وهمية وشخصيات لم يقابلها الصحفي، واستخدم تفاصيل من مواقع إلكترونية أنشأها بنفسه. وصف زملاء غلاس بأنه كان "محبوبًا وساحرًا جدًا"، وهي سمة غالبة عند المخادعين الأذكياء.
أما جانيت كوك، فقد فازت بجائزة “البوليتزر” عن قصة اخترعتها ونشرتها صحيفة “The Washington Post” عام 1981 بعنوان “Jimmy’s World”، والتي تحدثت عن طفل أمريكي مدمن على الهيروين. بعد فوزها بالجائزة، حاول المهتمون العثور على الطفل “جيمي” لكنه كان مجرد شخصية خيالية. اعترفت كوك، وسُحبت الجائزة، وأعيد فحص إجراءات التحقق داخل المؤسسة.
بالنسبة لمن يكررون استخدام شخصيات وهمية في تقاريرهم، مستغلين بيئات محلية يصعب فيها التحقق، نتذكر قصة الصحفي جيسون بلير، الذي أغرق “The New York Times” بمقابلات وهمية عام 2003. اقتبس أجزاء واسعة من تقارير صحفيين آخرين، وكتب عن أماكن لم يزرها، وأعاد تدوير تفاصيل من قصص قديمة. اضطرت “النيويورك تايمز” لإجراء تحقيق داخلي كشف عن فشل تحريري، مما أدى إلى استقالة رئيس التحرير التنفيذي هاول رينز ومدير التحرير جيرالد بويد.
في سياق مشابه، تورطت الصحفية سابرينا روبن إردلي في تحقيق لم تُقابل فيه الضحية الأساسية، مما أدى إلى اختلاق وقائع واتهامات باطلة. كتبت إردلي تحقيقًا مطولًا في مجلة “Rolling Stone” عام 2014 بعنوان “اغتصاب في الحرم الجامعي” (A Rape on Campus)، عن طالبة تعرضت لاعتداء جنسي جماعي. أثارت القصة ضجة وطنية، لكن تناقضات ظهرت في الرواية، خاصة أن إردلي لم تتحقق بشكل مستقل وكافٍ ولم تحصل على تأكيدات من شهود أساسيين. كلّفت المجلة فريقًا بمراجعة ما حدث، وخلص إلى إخفاقات صحفية في جمع المعلومات والتحقق منها. سُحب المقال واعتذرت المجلة، واتُهمت الصحفية بالتشهير بمسؤولة سابقة في الجامعة.
مثل هؤلاء الصحفيين يشكلون فرصة لمراجعة أساليب التحقق وتوعية الجمهور بأن هناك صحافة بلغة مدهشة ومحتوى مدفوع الثمن، مثل صحيفة “قبو الأمويين”. فالكذب له مدارس وفنون، وللحديث بقية.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات