“الله والفقر”: صدقي إسماعيل يكشف عمق معاناة المهمشين في سوريّا


هذا الخبر بعنوان "“الله والفقر”.. صدقي إسماعيل يرسم سيرة المهمشين" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مجموعته القصصية المميزة “الله والفقر”، يغوص الكاتب السوري الراحل صدقي إسماعيل في أعماق الظروف الإنسانية القاسية، مقدمًا للقارئ صورًا حية لمعاناة المهمشين. صدر هذا العمل الأدبي الهام عام 1970، ويضم ثلاث قصص متكاملة: “الله والفقر”، “قبل السهرة”، و”العطب”. تشترك هذه القصص في رؤية موحدة للإنسان وهو يخوض صراعًا مريرًا ضد الفقر، الوحدة، والهزائم النفسية، مع تركيز خاص على هذه الأبعاد في بناء شخصياته.
تحظى القصة الأولى، التي تحمل عنوان المجموعة، بأكبر مساحة في الكتاب. تدور أحداثها حول شخصية أسعد الوراق، الشاب الذي ترعرع في بيئة يسودها الفقر، الجهل، والتدين الشعبي. يكبر أسعد وهو مثقل بالعديد من المآسي، حيث يواجه الحرمان منذ طفولته، ويشهد انهيار أسرته تحت وطأة العوز الشديد. يجد نفسه لاحقًا في مواجهة مجتمع لا يتوانى عن استغلال طيبته وبساطته.
يُصوّر الكاتب أسعد الوراق، الشاب اليتيم الذي يعيش في أحد الأحياء الفقيرة ويعمل حمالًا في السوق لتأمين قوته اليومي، كشخصية تتسم بالصفاء وحسن النية، لدرجة تبدو فيها براءته أقرب إلى السذاجة. هذه الصفات تجعله هدفًا سهلاً للاستغلال والظلم في مجتمع لا يكافئ الطيبة بقدر ما يستغلها، في مقاربة أدبية تذكر بشخصية “الأبله” في رواية فيودور دوستويفسكي الشهيرة.
لا يقتصر حضور الظلم على جوانب الحياة اليومية فحسب، بل يجد أسعد نفسه خلف القضبان عدة مرات في أقل من عام، رغم براءته من أي جرم. تعكس هذه المشاهد غياب العدالة، وكيف أن السلطة تزيد من معاناة الفقراء بدلًا من حمايتهم.
بالتوازي مع رحلة أسعد، يفتح الكاتب نافذة على المأساة التي تعيشها أسرته. يرسم صورة مؤثرة لوالدته التي يدفعها الفقر واليأس إلى فقدان توازنها النفسي.
تتميز البيئة التي تدور فيها أحداث قصة أسعد بالسيطرة عليها من قبل الأمية والتدين الشعبي، حيث تختلط المعتقدات الدينية بالموروثات والخرافات. هذه العوامل تشهد على خسارات أسعد المتتالية، من السجن إلى فقدان زوجته، مرورًا بنظرة المجتمع إليه كشخص مختل أو عاجز عن مواجهة الحياة.
لا يقتصر الكتاب على قصة “الله والفقر” فحسب، بل تتناول قصة “قبل السهرة” العلاقات الاجتماعية من خلال رصد التناقض بين الصورة التي يسعى الناس لإظهارها للآخرين وما يخفونه خلفها من نفاق وصراعات ومصالح. أما قصة “العطب”، فتتعمق في النفس الإنسانية، متتبعة أثر الضغوط النفسية والاجتماعية في تشكيل شخصية الفرد، وكيف يتحول الخلل الداخلي إلى جزء لا يتجزأ من نظرته للعالم وطريقة تعامله مع الآخرين.
لم تبقَ قصة “الله والفقر” حبيسة صفحات الكتاب، فقد تحولت إلى عملين تلفزيونيين حمل اسم “أسعد الوراق”. العمل الأول عُرض على الشاشة عام 1975، وكان سباعية من إخراج علاء الدين كوكش وبطولة هاني الروماني. أما العمل الثاني، فقد أُعيد إنتاجه عام 2010، بإخراج رشا شربتجي وبطولة تيم حسن.
صدقي إسماعيل (1924-1972) هو أديب وروائي وكاتب مسرحي سوري بارز. ولد في مدينة أنطاكية، وانتقل إلى سوريا بعد سلخ لواء إسكندرون. تابع دراسته في جامعة دمشق وتخرج في قسم الفلسفة. عمل مدرسًا، ثم تولى مناصب ثقافية عدة، وكان له دور فعال في تأسيس اتحاد الكتّاب العرب، وترأسه بين عامي 1969 و1971. كما شغل منصب رئيس تحرير مجلة “الموقف الأدبي”. من أبرز أعماله رواية “العصاة” ومجموعة “الله والفقر”، بالإضافة إلى عدد من المسرحيات والدراسات الفكرية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة