مطاردة "العنكبوت" حسام لوقا: تحقيق يكشف خيوط شبكة نظام الأسد من دمشق إلى موسكو


هذا الخبر بعنوان "حسام لوقا .. وقائع مطاردة “عنكبوت” نظام الأسد عبر تحقيق لبي بي سي" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
داهم مسلحون يرتدون زياً عسكرياً شقة فاخرة مهجورة في العاصمة السورية دمشق، وعثروا بداخلها على ملابس أنيقة ومستندات خطيرة. في غرفة المعيشة، التي تتدلى من سقفها ثريا كريستالية فخمة، عثر المسلحون على صور لشخص رشيق القوام في مناسبات مختلفة، منها صور له جالساً إلى مكتبه، وأخرى له وهو يلعب في الجليد، بالإضافة إلى صور له وهو يصافح الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد مبتسماً.
لم يتعرف المسلحون في البداية على صاحب الصور، لكن ما دلّهم على هويته كانت شهادات مذهّبة الإطار نُقش عليها اسم: حسام لوقا، أو كما يُلقّب بـ “العنكبوت”. كان لوقا من الدائرة المقربة للرئيس الأسد، وهو متهم بارتكاب فظائع ممنهجة بحق الشعب السوري، ويخضع لعقوبات من قبل المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبصفته رئيساً لجهاز المخابرات العامة، كان لوقا أحد أقوى رجالات نظام الأسد وأشدهم إثارة للرعب، لكن الكثير من عمله كان يمارس في الخفاء. وكغيره من رجالات الأسد، اختفى لوقا عن الأنظار في ديسمبر/كانون الأول 2024 بسقوط النظام، مخلفاً وراءه أسئلة بلا أجوبة ومطالبات بالعدالة.
في شقة لوقا، بعد أيام من سقوط الأسد، حاول المسلحون الثائرون العثور على أي خيط يقودهم إلى “العنكبوت”. في زاوية من غرفة المعيشة، وجدوا دفتراً بخط اليد يحتوي على عشرات الأسماء، بينهم أصحاب محال تجارية، وأطباء، وأفراد من عائلة لوقا، وقيادات من الجيش. هل تكشف هذه الأسماء عن جرائم العنكبوت أو تقود إليه؟
في وقت من الأوقات، كان من الصعب نسيان رقم الهاتف الخاص بحسام لوقا؛ في الأيام الأولى للحرب الأهلية السورية، كان الرقم مرسوماً على جدران مدينة حمص. عندما سحقت قوات أمن النظام جموع المتظاهرين في 2011، كان لوقا رئيساً لفرع الأمن السياسي في حمص، وكُلّف بتطهير المدينة من المعارضة المسلحة. كانت المعارضة تسيطر على مناطق في حمص، بينما تفرض الحكومة حصاراً عليها، مما عانى منه الأهالي في تأمين الغذاء والدواء. حكى كثيرون لبي بي سي كيف لجأوا إلى أكل الفئران للبقاء على قيد الحياة. معتز الزايدي، أحد هؤلاء، تذكر اسم لوقا ورقم هاتفه مرسوماً على جدار في حيه، مع رسالة تقول: “كل من يريد الفرار من مطحنة القتال عليه أن يتصل بالرقم”. ظن البعض أنهم وجدوا مخرجاً آمناً، لكن آخرين ممن اتصلوا به اختفوا من الوجود، حسب شهادات عديدة.
كان الكثيرون يشيرون إلى حسام لوقا بلقب “العنكبوت” نظراً لشبكة أذرعه الواسعة التي شملت جواسيس في قلب جماعات المعارضة. وصفه سكان حمص بأنه “كانت أذرعه تصل إلى كل مكان… كان عبقرياً في الشرّ. كان ثعلباً”.
من أفظع أعمال حسام لوقا في حمص، تورطه فيما عُرف بـ “مجزرة العيد” في حي الوعر، والتي راح ضحيتها نحو 28 شخصاً معظمهم أطفال. أشارت الولايات المتحدة إلى هذه المجزرة في حيثيات فرض عقوباتها على لوقا. وقعت المجزرة في عيد الأضحى في سبتمبر/أيلول 2015. وائل محمد طوقتلي، الذي كان طفلاً في السابعة من عمره آنذاك، تحدث لبي بي سي من المكان نفسه في المتنزه حيث دُفن ابنه مع أصحابه الأطفال. يقول محمد وهو يغالب دموعه: “كانوا أطفالاً صغاراً. لقد صبغت دماؤهم أرض الجنينة”. وفقاً لمجموعة حقوقية سورية وصحيفة معارضة، كان حسام لوقا مسؤولاً عن تحديد النظام للأهداف في المنطقة ذلك اليوم.
بفضل أعماله في حمص، حصل لوقا على ترقيات حتى وصل إلى منصب مدير إدارة المخابرات العامة قبل سقوط الأسد، ما جعله أحد أقوى رجالات النظام. كانت أجهزة الأمن السوري تستهدف أي شخص يُظنّ به أنه معارض للنظام. من كان يسقط في شرك الاعتقال كان يُزجّ به في السجون السياسية، بما في ذلك سجن صيدنايا سيئ السمعة، الذي وصفه البعض بـ “المسلخ البشري”.
بصفته رئيساً للاستخبارات العامة، كان حسام لوقا مسؤولاً عن سياسات الاعتقال في البلاد، وكان رجاله يملكون سلطة مراقبة الاتصالات من سجن صيدنايا وإليه. يطالب كثير من السوريين بمساءلة كبار المسؤولين السابقين في نظام الأسد، ويرى البعض أن النظام السوري الجديد لا يفعل ما يكفي لإخضاعهم للعدالة.
النائب العام السوري حسن التربة، قال لبي بي سي إن الحكومة السورية أقامت دعوى قضائية ضد حسام لوقا، متهمة إياه بـ “القتل العمد، والتعذيب، والقتل الناتج عن التعذيب”. وأشار إلى صدور أمر اعتقال بحق لوقا، وجاري تعميمه محلياً ودولياً، وأن الإدارة السورية تعمل على تعقب المتهمين وطلب تسليمهم.
قال محمد طوقتلي وهو ينعى ولده: “أطمع في إحضار حسام لوقا وغيره من كبار المسؤولين في نظام الأسد إلى سوريا وإعدامهم. هؤلاء يشبهون البشر في ظاهرهم، لكنهم ليسوا بشراً على الإطلاق”.
بالعودة إلى دفتر الشقة، صوّرت كل صفحاته، وعند العودة إلى لندن، اختبرت الأرقام المدونة فيه، وبلغ عددها نحو 155 رقماً. بدا أن 51 رقماً منها لا يزال يعمل. حاولوا الاتصال بهذه الأرقام، بدءاً من قيادات سابقة في الجيش وصولاً إلى أفراد من العائلة. لم ينجح أي اتصال، وإن ردّ أحدهم، كان يغلق الخط فوراً، أو ينكر معرفته بحسام لوقا أو عائلته.
صحفي في بي بي سي، كان اسمه مقيداً على قائمة المطلوبين لدى جهاز المخابرات العامة في عهد حسام لوقا، ذهب إلى سوريا وحاول بنفسه. معظم الأسماء المدونة في الدليل كانت لأطباء، فقام بحجز موعد لدى أحدهم. في حلب، كاد أحد الأطباء أن ينكر معرفته بحسام لوقا قبل أن يطرد الصحفي. في دمشق، طبيب آخر كشف أنه رافق والدة لوقا في رحلة علاجية إلى روسيا، لكنه أحالهم إلى صيدلية مملوكة لإحدى بنات حسام لوقا. سكان المنطقة أفادوا بأن ابنة لوقا مختفية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.
بعد شهور من البحث، وجدوا خيطاً: أحد المدونين في الدفتر، وهو حارس المبنى الذي تقع فيه شقة لوقا، وافق على إعطاء رقم هاتف الحارس الشخصي السابق للوقا، والذي سيُطلق عليه اسم “محمود”. استغرق الأمر أسابيع لترتيب مقابلة مع محمود، الذي كثيرًا ما ألغى المواعيد أو حدد أماكن خطرة. في النهاية، تمت المقابلة في أحد الفنادق. قال محمود إنه غضب من لوقا لأنه تركه عندما سقط النظام، متذكراً تعهدات لوقا بالبقاء والدفاع عن دمشق، لكنه اختفى في الفجر ومعه مبلغ مالي كبير من خزانة المكتب. رفض محمود إعطاء تفاصيل أو عناوين اتصال، باستثناء رقم هاتف سائق سيارة لوقا، الذي يعتقد أنه أخرجه من دمشق في ليلة سقوط النظام.
عانوا للوصول إلى السائق، الذي كان عصبياً وأصرّ على أنه لم يكن لديه علم بأنشطة لوقا. باءت محاولات ترتيب لقاء معه بالفشل، وانقطع عن الرد. حولوا انتباههم إلى الوجهات المحتملة لهرب لوقا، بما في ذلك لبنان، حيث جماعة حزب الله المدعومة من إيران وثيقة الصلة بنظام الأسد. مصدر رفيع في الحكومة اللبنانية قال لبي بي سي إن لديه علماً بأن حسام لوقا مرّ عبر لبنان بجواز سفر روسي يحمل اسماً غير اسمه، قبل أن يتجه إلى روسيا.
في لبنان، تمكنوا من الوصول إلى شخص كان اسمه ضمن الأسماء المدونة في الدفتر، وهو مطلوب للنظام السوري الجديد. هذا الرجل، الذي لا يمكن الكشف عن هويته، قال إن معه رقم هاتف خاص بحسام لوقا، يحمل مفتاح الاتصال الدولي لروسيا. بعد سقوط النظام، أكد بشار الأسد فراره إلى روسيا، حيث يُعتقد أن العديد من رجالات نظامه لحقوا به.
في شقة لوقا بدمشق، عثروا على دلائل تفيد بعلاقات قوية في موسكو، منها حصوله على جوائز من المخابرات الروسية ومعايدة بمناسبة العام الجديد من مسؤول روسي رفيع. رقم الهاتف الذي حصلوا عليه أخيراً، والذي يحمل مفتاح روسيا، أصبح دليلاً على وجود حسام لوقا هناك.
للتحقق، وافق الرجل الذي أطلعهم على الرقم على الاتصال بلوقا وفتح مكبر الصوت. بدا الارتباك في نبرة صوت الطرف الآخر، لكنه أجاب على الأسئلة التي لا يعرفها إلا لوقا. رفض التحدث إليهم مباشرة. لاحقاً، وافق الرجل على التحدث إلى لوقا مجدداً ليتمكن الصحفيون من محاورته عبر الوسيط. على الهاتف، مع فتح مكبر الصوت، أجاب صاحب الصوت نفسه. قدم الصحفيون أنفسهم، موضحين أن لديهم أسئلة تتعلق بدعاوى خطيرة ضده تتضمن اتهامات بالضلوع في مذابح وتعذيب. فرد بنبرة متوترة: “لا يمكنني المجازفة بالحديث عبر الهاتف في موقفي هذا”. وحين سُئل عما إذا كانت السلطات الروسية تحظر عليه التحدث، أجاب: “لا يمكنني الحديث. لا يمكنني الإفصاح. عليكم أن تتفهموا ذلك”. حين سُئل عن إمكانية ترتيب لقاء خارج روسيا، أجاب بأن الأمر “صعب”، ثم قطع الاتصال.
لاحقاً، حصلوا على رقم هاتف آخر، قيل إنه خاص بحسام لوقا، مسجل في سوريا. له حسابات عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويبدو أن الرقم لا يزال مستخدماً. حددت بي بي سي مكان هذا الهاتف في منطقتين من ضواحي موسكو، لا تتمتعان بنفس مستوى الرفاهية التي كانت في سوريا أو المنطقة التي يقيم بها بشار الأسد في روسيا.
أدركوا أنه ليس في استطاعتهم لقاء حسام لوقا شخصياً في روسيا، التي تمنع الصحفيين الدوليين من الاقتراب من رجالات الأسد. فشلت جميع محاولات التواصل معه. الأخبار حول وجود حسام لوقا في موسكو سيئة لأهالي الضحايا في سوريا ممن ينشدون العدالة، ومن غير المرجح أن تقوم روسيا بترحيل المسؤولين من نظام طالما كانت له الداعم والحليف.
لم ترد الحكومة الروسية على طلبات بي بي سي للتعليق على وجود حسام لوقا في روسيا أو إمكانية ترحيله. محمد طوقتلي، في حمص، يقول إنه لن يفقد الأمل في مثول لوقا وأمثاله أمام العدالة يوماً ما. يقول: “أنا ساخط على كل من كانوا مع النظام وجهازه الأمني… لقد كانوا جميعاً يقفون ضدنا”. ويضيف الأب المكلوم: “وائل كان مجرد طفل في السابعة من عمره… كل ما كان يهمه هو أن يلعب ويفرح”. (BBC)
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة