الحسكة: ازدواجية الإدارة تعيق الخدمات وتزيد معاناة السكان بعد 7 أشهر من اتفاق الدمج


هذا الخبر بعنوان "الحسكة.. ازدواجية الإدارة تعطل الخدمات وتربك السكان" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور نحو سبعة أشهر على بدء تنفيذ مسار دمج المؤسسات بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في محافظة الحسكة، لا تزال خريطة الإدارة والسيطرة في المحافظة موزعة بين الطرفين. يستمر تباين الصلاحيات والجهات المسؤولة عن إدارة القطاعات الخدمية والأمنية والمدنية، مما يؤثر على حياة السكان.
تسيطر الحكومة السورية منذ مطلع العام الحالي على مساحات واسعة من أرياف الحسكة الجنوبية والشرقية وأجزاء من ريفها الغربي، بينما تتركز سيطرة "قسد" في المدن الرئيسة، ومنها الحسكة والقامشلي والمالكية والدرباسية وعامودا وغيرها. وفي 29 من كانون الثاني الماضي، اتفقت الحكومة السورية و"قسد" على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن الهياكل الوزارية الحكومية، وبدء تنفيذ الاتفاق بصورة تدريجية في شباط الماضي.
لكن مظاهر الانقسام الإداري لا تزال حاضرة في عدد من القطاعات، بحسب سكان في مدينة الحسكة وأريافها. يتباين الجهة التي تدير المؤسسات والمرافق من منطقة إلى أخرى، بينما لا تزال أغلب المؤسسات المدنية والخدمية خارج الخدمة. وقال الناشط المدني محمد العايد، إن استمرار تعدد الجهات الإدارية في المحافظة ينعكس على العلاقة بين السكان والمؤسسات، خصوصًا عندما لا تكون الصلاحيات محددة بصورة واضحة بين الجهات المختلفة. وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب توضيح المرجعيات الإدارية والخدمية، بحيث يعرف السكان الجهة المسؤولة عن كل قطاع، ويستطيعون الوصول إليها عند الحاجة.
يظهر التباين الإداري والاقتصادي في المحافظة من خلال تعدد أسعار صرف الدولار، إذ يتداول السوق ثلاثة أسعار مختلفة بحسب فئة العملة المستخدمة. ويبلغ سعر الدولار بالنسبة إلى فئتي 2000 و5000 من العملة القديمة نحو 14,500 ليرة للشراء و14,900 ليرة للمبيع. وبالنسبة إلى فئتي 500 و1000 من العملة القديمة، يبلغ السعر نحو 16,500 ليرة للشراء و17,000 ليرة للمبيع، بينما يبلغ سعر الدولار مقابل العملة السورية الجديدة 127 ليرة (12,700 ليرة قديمة) للشراء و132 ليرة (13,200 ليرة قديمة) للمبيع. ويربط سكان هذا التفاوت بغياب مراكز صرف رسمية كافية لتبديل العملة الجديدة، إذ تقتصر عمليات التبديل الرسمية على مراكز البريد، بينما يتولى الصرافون الجزء الأكبر من عمليات التداول.
قال محمد الحمد، من حي النشوة في مدينة الحسكة، إن اختلاف أسعار الدولار "أصبح مشكلة يومية"، موضحًا أن المواطن قد يضطر إلى السؤال عن السعر أكثر من مرة قبل إجراء عملية شراء أو تبديل. ويرى محمد أن وجود ثلاثة أسعار للعملة في السوق يسبب صعوبة في تحديد قيمة المبالغ، ويؤثر في التعاملات التجارية وأسعار السلع.
في الملف الأمني، توجد حواجز مشتركة وقوى أمنية تتبع لجهات مختلفة، بحسب سكان، بينما تواجه مناطق من المحافظة حوادث سرقة وعمليات "تشليح" وإشكالات ذات طابع عشائري. وفي الأرياف النائية، تتكرر سرقة مكونات الشبكة الكهربائية، بما فيها الأسلاك، وفق سكان من تلك المناطق.
قال علي الجاسم، من حي العزيزية في مدينة الحسكة، إن السكان يلاحظون وجود أكثر من جهة أمنية في المدينة ومحيطها، لكنه يرى أن تعدد الجهات "يجعل معرفة المسؤول عن بعض الحوادث أكثر صعوبة". وأضاف أن السكان يريدون جهة أمنية واضحة يمكنهم اللجوء إليها عند تعرضهم للسرقة أو الاعتداء، مشيرًا إلى تسجيل حالات سرقة و"تشليح" وإشكالات اجتماعية خلال الفترة الماضية. ويربط محمد العايد أهمية توحيد المرجعيات الأمنية بضرورة تحديد الصلاحيات والمسؤوليات، معتبرًا أن وضوح الجهة المسؤولة عن الأمن يساعد في متابعة الشكاوى والحوادث ويحد من تداخل الاختصاصات.
في قطاع التعليم، لا تزال مدارس عدة في المحافظة خارج الخدمة، بحسب سكان، بينما تعرضت مدارس أخرى للسرقة، وشملت الأضرار خلع الأبواب والشبابيك ونزع الأسلاك الكهربائية. كما لا تزال مدارس أخرى مستخدمة كمراكز لإيواء نازحين من رأس العين، ما يؤخر إعادة استخدامها للطلاب.
قال غانم الأحمد، من ريف الحسكة الجنوبي، إن بعض المدارس في المنطقة لم تعد مجهزة لاستقبال الطلاب نتيجة الأضرار والسرقات، بينما تستخدم مدارس أخرى في المدن لأغراض الإيواء. وأضاف أن واقع التعليم يختلف بين منطقة وأخرى بحسب حالة المدرسة والجهة التي تتولى إدارتها، مشيرًا إلى أن سكان الريف يواجهون، إلى جانب ذلك، صعوبات في الكهرباء والمياه والوقود. وقال الناشط المدني محمد العايد، إن استمرار خروج المدارس عن الخدمة يفرض معالجة أكثر من ملف في الوقت نفسه، بدءًا من إعادة تأهيل الأبنية وتأمين التجهيزات وصولًا إلى تحديد الجهة المسؤولة عن تشغيلها.
في المدن والبلدات، يواجه عمل البلديات تحديات مرتبطة بنقص العمال والآليات والوقود اللازم لتشغيلها، بحسب المعطيات المحلية، وهو ما ينعكس على عمليات جمع النفايات والخدمات البلدية. وقال أحمد صباح، من حي غويران في الحسكة، إن النفايات تتراكم في عدد من المناطق لفترات متفاوتة، بينما لا تعمل الآليات بصورة منتظمة. وأضاف أن البلدية تفتقر إلى الآليات والوقود، الأمر الذي يحد من قدرتها على تنفيذ عمليات النظافة وترحيل النفايات. واعتبر الناشط المدني محمد العايد أن معالجة الملف البلدي تحتاج إلى تحديد الموارد المتاحة لكل بلدية، وتأمين العمال والآليات والوقود، إلى جانب وضوح الجهة الإدارية التي تتبع لها كل بلدية.
لا تزال المحاكم والسجلات المدنية والعقارية في المحافظة مغلقة، بحسب سكان، ما أدى إلى توقف أو تأخر معاملات مدنية وعقارية عدة. ويشمل ذلك تسجيل المواليد وتنظيم عقود البيع والشراء وإنجاز بعض المعاملات المرتبطة بالسجلات المدنية والعقارية، وفق ما أفاد به سكان.
قال محمد الحمد، من حي النشوة في مدينة الحسكة، إن بعض الأهالي يواجهون صعوبة في تسجيل الوقائع المدنية أو تثبيت معاملات الملكية، مشيرًا إلى أن هذه الملفات مرتبطة بحقوق قانونية يحتاج أصحابها إلى توثيقها رسميًا. ويرى الناشط المدني محمد العايد أن استمرار توقف هذه المؤسسات يزيد من تراكم المعاملات، وقد يسبب صعوبات مستقبلية في إثبات بعض الحقوق، خصوصًا المتعلقة بالملكية والإرث والبيع والشراء.
بدأت عملية دمج المؤسسات في شباط، بعد اتفاق 29 من كانون الثاني، وشملت بصورة تدريجية قطاعات مختلفة. وبحسب سكان، أثرت آليات الدمج في شكل التعيينات داخل عدد من المؤسسات والدوائر الحكومية، إذ لعبت التفاهمات بين الجهات المختلفة دورًا في توزيع المناصب، إلى جانب معايير أخرى تتعلق بالخبرة والكفاءة.
قال الناشط المدني محمد العايد، إن نجاح الدمج الإداري يتطلب وجود هيكل واضح للمؤسسات، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات، ووضع معايير معلنة للتعيينات، بما يضمن استمرارية العمل بصرف النظر عن الجهة التي كان الموظف يتبع لها سابقًا. وأضاف أن توحيد المؤسسات لا يرتبط فقط بنقل الموظفين أو تغيير مواقعهم، وإنما بتوحيد آليات العمل وسلسلة القرار الإداري.
تدير الحكومة السورية المحافظة من مدينة الشدادي، الواقعة جنوب الحسكة، في حين تتركز سيطرة "قسد" في المدن الرئيسة. وفي المناطق التي تديرها الحكومة، تعاني الأرياف من نقص في الوقود والمياه والكهرباء، إلى جانب تضرر البنية التحتية لعدد من المؤسسات الحكومية. وبحسب سكان، لم يتسلم بعض مديري النواحي والبلديات رواتبهم مع بقية الموظفين، كما لا تتوفر في بعض المناطق مراكز مجهزة لإدارة النواحي، ومن بينها مناطق في محيط جبل عبد العزيز.
قال أحمد صباح من حي غويران في الحسكة، إن سكان الريف يواجهون صعوبة في الوصول إلى بعض المؤسسات، خصوصًا في المناطق البعيدة، نتيجة المسافات وضعف الخدمات وغياب المراكز الإدارية المجهزة. أما في المدن التي تسيطر عليها "قسد" فتوقفت المؤسسات المحلية عن أداء المهام الإدارية والخدمية، منذ سقوط النظام السابق في أواخر 2024، لكن ملفات مثل القضاء والسجلات المدنية والعقارية والمؤسسات التابعة للوزارات الحكومية لا تزال مرتبطة بترتيبات الدمج بين الطرفين.
تزامن مسار الدمج مع ترتيبات تتعلق بعودة النازحين، إذ سُيّرت ثماني دفعات من نازحي عفرين، ضمن خطوات لتسهيل العودة. في المقابل، واجهت أول دفعة من النازحين العائدين إلى رأس العين إشكالات تحولت إلى احتجاجات شملت مناطق في المحافظة، وامتدت خلال الساعات الماضية إلى عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشرقي. ويرتبط ملف العودة بعدة ملفات أخرى، بينها الوضع الأمني والخدمات وملكية العقارات وعمل المؤسسات المدنية، ما يجعل انتظام هذه القطاعات جزءًا من عملية تهيئة ظروف العودة.
قال الناشط المدني محمد العايد، إن عودة النازحين تحتاج إلى مؤسسات تعمل بصورة منتظمة في مناطق العودة، خصوصًا في ملفات الأمن والتعليم والخدمات وتثبيت الملكيات والسجلات المدنية.
شهدت الحسكة مطلع العام الحالي تغيرًا في خريطة السيطرة، مع انتقال الجيش السوري إلى أجزاء واسعة من الأرياف الجنوبية والشرقية وقسم من الأرياف الغربية، مقابل بقاء "قسد" في المدن الرئيسة. وفي 29 من كانون الثاني، وضع الطرفان إطارًا لدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية، وبدأ تنفيذ الاتفاق تدريجيًا في شباط. وبعد سبعة أشهر، لا تزال عملية توحيد المؤسسات في مراحلها المختلفة، بينما تظهر في الحياة اليومية للمواطنين آثار استمرار التباين في الإدارة بين مناطق المحافظة.
ثلاثة أسعار للدولار، وتفاوت في عمل المؤسسات، ومدارس خارج الخدمة، وبلديات تعاني نقص الإمكانات، ومحاكم وسجلات متوقفة، ومناطق ريفية تفتقر إلى مراكز إدارية مجهزة، هي أبرز الملفات التي يربطها السكان باستمرار المرحلة الانتقالية. وقال الناشط المدني محمد العايد، إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من ترتيبات توزيع الصلاحيات إلى تحديد واضح للمرجعيات، بحيث تصبح لكل مؤسسة جهة إدارية معروفة، ولكل منطقة جهاز خدمي وأمني قادر على العمل ضمن هيكل موحد. وبالنسبة إلى سكان الحسكة، يبقى نجاح الدمج مرتبطًا بما سيظهر على مستوى المؤسسات والخدمات، وليس فقط بالتفاهمات بين الجهات السياسية والعسكرية، إذ ينتظر السكان عودة المحاكم والسجلات إلى العمل، وإعادة المدارس إلى الخدمة، وتحسين عمل البلديات، وتوفير الخدمات الأساسية، وتحديد الجهات المسؤولة عن إدارة المدن والأرياف. ومع استمرار الترتيبات، تبقى المحافظة أمام مرحلة إدارية انتقالية لم تستكمل بعد، تتوزع فيها السيطرة بين الحكومة السورية و"قسد" جغرافيًا، بينما تتواصل عملية دمج المؤسسات على مستوى الخدمات والأمن والإدارة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي