قراءة في الموقف الإسرائيلي من اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان


هذا الخبر بعنوان "كيف ينظر الاحتلال الإسرائيلي للاتفاق التركي السعودي الباكستاني؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمود سمير الرنتيسي
تاريخ النشر: 2026.08.15 | 07:19 دمشق
ربما تفاجأ بعضهم باتفاق كل من تركيا والسعودية وباكستان في مكة على الدخول في اتفاق دفاع مشترك، ولكن من الواضح أن إسرائيل لم تتفاجأ؛ فقد صدرت تصريحات عن مسؤولين إسرائيليين في عام 2024 أشارت إلى الخشية من حصول مثل هذا التحالف، وأن تركيا لديها مساعي مشتركة للعمل مع كل من السعودية وإسرائيل.
ولما سبق، كان من الطبيعي أن تعبر إسرائيل عن عدم ارتياحها من مثل هذه التحالفات، خاصة مع وجود توتر كبير في علاقاتها مع تركيا مؤخراً على مستوى العلاقات الثنائية، وبسبب دور إسرائيل في كل من غزة وسوريا ولبنان. كما أن تركيا كان لها دور في منع انخراط جماعات كردية في حرب برية ضد إيران، وهو ما أدى إلى مزيد من توتر العلاقات.
في محاولة لتخفيف آثار محتملة لهذا التحالف، يرى كتاب إسرائيليون أن تحالف مكة ليس موجهاً لإسرائيل، لكنه يمكن أن يسبب لها ضرراً كبيراً. وفي الحقيقة، أعلن المشاركون في اتفاق مكة أن تحالفهم دفاعي بحت وليس موجهاً لأحد، وليس تحالفاً سنياً ولا تحالفاً موجهاً ضد الشرق أو الغرب، ولكنه تحالف ضد أي تهديدات محتملة في بيئة دولية وإقليمية متقلبة ومشحونة بالأزمات.
المنطقة شهدت تغيرات كبرى، سواء ما حصل في غزة ثم سوريا، ثم الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز وصعود القوة التركية وقدرة باكستان على ردع الهند وتراجع المظلة الأمنية الأميركية، وهذا كله أدى إلى خلط الأوراق أمام الخطط السابقة.
لكن بأخذ السياق الذي كانت تسير به المنطقة خلال العقد الأخير، وتحديداً منذ الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترمب، كان هناك مسار اتفاقيات أبراهام الذي انضمت له عدة دول عربية، وكان مساراً لإدماج إسرائيل في المنطقة بل جعلها في سدة الترتيبات الأمنية الإقليمية. كما تم إنشاء منتدى شرق المتوسط الذي ضم مجموعة من الدول من المنطقة ومن أوروبا وكانت إسرائيل فاعلاً أساسياً فيه، وقد بني هذا المشروع على أساس استبعاد تركيا.
كذلك الحال، زاد انخراط الهند مع إسرائيل والولايات المتحدة التي تهتم بموازنة الصين عبر دعم الهند، وبنيت شراكات وظيفية بين إسرائيل والولايات المتحدة والهند ودول أخرى في مجالات التكنولوجيا والدعم الاستراتيجي والدفاع والطاقة والممرات البحرية. وتم عقد صيغة I2U2 وهي صيغة تضم الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة وظيفتها ربط التكنولوجيا الإسرائيلية والتمويل الإماراتي والقدرات البشرية الهندية والمظلة الأميركية.
وتم العمل على ربط هذه الشراكات التي تربط الهند بإسرائيل عبر الخليج والشركات التي تربط شرق المتوسط مع أوروبا عبر إسرائيل أيضاً ببعضها البعض. لكن التغيرات أدت إلى سعي مجموعة من دول المنطقة، على رأسها تركيا والسعودية وباكستان، إلى البحث عن بناء شبكات أمنية ودفاعية خاصة بها تحوطاً من التقلبات التي يمكن أن تهددها أو لمواجهة الخطط التي كانت تستهدفها أو تستبعدها، ولا تعتمد هذه الشبكات الدفاعية بشكل حصري على الولايات المتحدة ولا تعد إسرائيل جزءاً أساسياً فيها، وهو بحد ذاته تغيير جذري يمكن أن يقلق إسرائيل بشدة لأن هذا يشير إلى أن المنظومة الإقليمية وإدراكاتها آخذة بالتغير.
إن مصدر القلق الآخر يأتي من احتمالات أن تنضم دول أخرى إلى تحالف مكة، فهذا التحالف الذي يتميز أعضاؤه بأنهم يكملون بعضهم بعضاً يمكن أن يجذب دولاً أخرى؛ فدول التحالف لديها مجالات تأثير عدة، السعودية تملك تأثيراً في المجال الخليجي والإفريقي، وتركيا تملك تأثيراً في البلقان والقوقاز وسوريا ولبنان وليبيا والصومال، وباكستان تمتلك قوة بشرية ونووية كبيرة. كما تمتلك إمكانات عسكرية وتكنولوجية وصناعية ومالية ونووية تجعلها تكمل بعضها بعضاً في كل المجالات.
مصدر القلق الثالث الذي يزعج إسرائيل هو أن هذه الدول الثلاث وقادتها لديهم تأثير ما على الرئيس ترمب من قبل أن تتحالف مع بعضها البعض ومن قبل أن يكون لديها رؤية مشتركة للأمور. وحالياً، تواجه إسرائيل صعوبات في إقناع ترمب في عدة قضايا، ولهذا فإن هذه الدول يمكن أن تؤدي إلى زيادة الفجوة بين رؤى الإدارة الأميركية ورؤى حكومة الاحتلال الإسرائيلي.
مصدر القلق الرابع الذي تخشى منه إسرائيل هو الغموض الذي يلف اتفاق مكة؛ فالغموض هو بذاته مصدر ردع، فلا أحد يعلم هل ستقوم باكستان بتزويد تركيا والسعودية بإمكانات ردع نووية، وهل ستقوم تركيا بنشر قوات في السعودية، أم هل ستقوم السعودية بتمويل شامل للإنتاج الدفاعي التركي في المشاريع المتطورة مثل الطائرات المقاتلة والمسيرات النوعية؟
وعن مصدر القلق الخامس، فإن حلفاء إسرائيل مثل قبرص الرومية واليونان والهند وبعض الدول المنخرطة في اتفاقيات أبراهام هي أيضاً تعتبر نفسها مستهدفة من اتفاق مكة.
وختاماً، فإن مصدر القلق السادس هو أن إسرائيل كانت تقدم التطبيع مع السعودية كمشروع للمستقبل، فقد تلاشت أجزاء من هذا المشروع في ظل هذه المساعي، وعلى الأقل باتت يد السعودية أقوى في أي مفاوضات مع إسرائيل التي يهجرها اليوم طبقات من القوى البشرية العاملة في قطاع التكنولوجيا والطب والهندسة.
ستسعى إسرائيل إلى إثارة خلافات بين دول التحالف وستسعى لعدم انضمام دول أخرى مثل مصر وغيرها، ولكنها أيضاً ستحاول تكريس تحالفاتها مع الهند واليونان وغيرها، وهذا هو المأزق الذي سيجعل صورتها كتهديد محتمل أكبر من قبل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة