إعادة إعمار سوريا تبدأ من قطاع النقل: بين الحاجة الملحة للاستثمار وتحديات كلفة الامتيازات


هذا الخبر بعنوان "الإعمار من بوابة النقل.. سوريا بين الحاجة إلى الاستثمار وكلفة الامتيازات" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دفعت سوريا خلال الأسابيع الأخيرة ملف الطرق إلى مقدمة مشاريع التعافي، في خيار اقتصادي يحمل دلالة أبعد من إصلاح ما دمرته الحرب. ففي 14 تموز أُطلقت سبع مناقصات محلية ودولية لإعادة تأهيل المحاور الرئيسية، بينها نصيب–دمشق ودمشق–حمص وحمص–حلب وسراقب–إدلب، إلى جانب توسيع طريقي دمشق–تدمر وتدمر–دير الزور. وفي 6 آب انتقل الملف خطوة أخرى مع إعلان أن العروض المقدمة من شركات في عدة دول دخلت مرحلة التقييم، وتقدير كلفة إصلاح الطرق الرئيسية بما يتراوح بين 300 و500 مليون دولار.
اختيار الطرق في هذه المرحلة يفتح ملف ترتيب الأولويات في اقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء واسعة تشمل الصناعة والكهرباء والإسكان والخدمات. في حين يقدر البنك الدولي الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، ما يجعل تخصيص الموارد بين القطاعات قضية اقتصادية بحد ذاتها، خصوصًا مع محدودية التمويل المحلي والحاجة المستمرة إلى رؤوس الأموال الخارجية.
يمكن تفسير أولوية الطرق من خلال مفهوم اقتصاد الممرات، الذي ينظر إلى البنية التحتية للنقل كوسيلة لخفض الكلفة التي تفصل المنتج عن السوق، وليس كمشروع إنشائي مستقل. فالمصنع الذي يعمل وسط شبكة طرق متضررة يدفع ثمن ذلك في الوقود والوقت والتخزين والتأمين، بينما يسمح تحسين المحاور الرئيسية بتحويل استثمارات لاحقة في الصناعة والزراعة إلى نشاط قادر على الوصول إلى الأسواق.
لهذا تتركز المشاريع الحالية على اتجاهين لهما وظيفة اقتصادية واضحة، الأول شمالي–جنوبي يربط الحدود الأردنية بدمشق وحمص وحلب وصولًا إلى تركيا، والثاني شرقي يصل دمشق ودير الزور والعراق. وفي 21 تموز دعت دمشق الشركات الصينية للمشاركة في مشروعات هذين المحورين، بالتزامن مع حديث عن إدخالهما ضمن تصور أوسع للنقل الإقليمي.
ويربط الخبير الاقتصادي حسان عايش قيمة الممر السوري–الأردني–التركي بقدرته على تغيير تكاليف الحركة التجارية، ويرى أن التخطيط اللوجستي والبنية البرية يملكان عائدًا اقتصاديًا يتجاوز رسوم العبور إلى التجارة والاستثمار والخدمات. مشيرًا خلال حديثه إلى موقع تلفزيون سوريا إلى أن تحسينه يمكن أن يخفض كلفة النقل ويتيح إقامة مراكز صناعية ولوجستية مرتبطة بحركة السلع بين المنطقة وأوروبا.
المشكلة الثانية تتعلق بكيفية تمويل هذه الأولوية، فقد كشفت محادثات آب مع البنك الدولي أن الخيارات المطروحة تشمل مشروعات طرق بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية، إلى جانب شراكات بين القطاعين العام والخاص في النقل. وهذا النموذج يقلل الحاجة إلى دفع الكلفة كاملة من الموازنة، لكنه ينقل السؤال إلى مدة الامتياز ورسوم الاستخدام وضمانات المستثمر وطريقة توزيع المخاطر.
ويضع الاقتصادي مراد كواشي الإنفاق على البنية التحتية ضمن مفهوم أوسع للاستثمار المنتج، حيث تتحدد جدوى المشروع بمقدار ما يضيفه إلى النشاط الاقتصادي وقدرته على تخفيض تكاليف القطاعات الأخرى. ووفق هذا المنطق، تكون الطرق ذات الأولوية تلك التي تصل مناطق الإنتاج بالموانئ والمعابر والأسواق.
والاختبار الفعلي خلال المرحلة المقبلة سيكون في قدرة سوريا على تحويل شبكة النقل إلى بنية تخدم اقتصادًا أوسع، من دون استنزاف الموارد المحدودة في مشروعات مكلفة أو تحميل السنوات المقبلة عقود تشغيل طويلة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد