سوريا محلي

الأسماء المزدوجة للمدن السورية: صراع الهوية والتعريب في المناطق الكردية

North Press١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥١ م2 مشاهدة
الأسماء المزدوجة للمدن السورية: صراع الهوية والتعريب في المناطق الكردية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "“تعريب” المناطق الكردية.. قضية أسماء مزدوجة لمدنٍ سورية" نشر أولاً على موقع North Press وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

فتاح عيسى/ نالين علي – كوباني/ القامشلي

في بعض المناطق السورية، تتجاوز أسماء المدن والبلدات والقرى كونها مجرد تسميات جغرافية، إذ تحمل في طياتها ذاكرة عميقة تأثرت بحقب زمنية عديدة من التغييرات السياسية. وفي المناطق ذات الغالبية الكردية، لا سيما في الشرقية والشمالية للبلاد، ارتبطت مسألة أسماء الأماكن خلال العقود الماضية بصراع أوسع حول اللغة والهوية. وقد اكتسبت معظم تلك المناطق أسماء مزدوجة، واحدة عربية رسمية وهي المعتمدة في السجلات الحكومية، وأخرى كردية يتداولها السكان فيما بينهم. وقد وثق حقوقيون وباحثون أكراد أسماء مئات القرى والبلدات، مشيرين إلى أن تلك المناطق “عُرّبت” بقرارات من وزارة الإدارة المحلية لدوافع سياسية، وخاصةً خلال عهدي حافظ الأسد وابنه بشار.

كوباني/عين العرب.. تاريخ التسمية

تُعد مدينة كوباني واحدة من أبرز الأمثلة التي تطرحها قضية التعريب، حيث تحمل اسماً مزدوجاً أثار جدلاً واسعاً في الآونة الأخيرة. ويتحدث الكاتب والشاعر حسين محمد علي، وهو من سكان المدينة وأحد مدرسيها القدامى، عن تاريخ التسمية، موضحاً أن اسم كوباني ارتبط بظروف الحرب العالمية الأولى، حين قررت الدولة العثمانية وحليفتها ألمانيا بناء سكة حديد في المنطقة. ويشير علي إلى أن الاسم كان مشتقاً من كلمة “Company” (شركة)، وتحوّل موقع المشروع إلى تجمع بشري نظراً لضخامته، وكان سكان المنطقة يطلقون عليه “كوباني” لسهولة اللفظ بدلاً من “كومباني”.

تتقاطع هذه الرواية مع أخرى ترى أن اسم “كوباني” اشتُق من كلمة “بان” الألمانية، التي تعني “طريق”، في إشارة إلى التسمية الألمانية لسكة الحديد التي تمر عبر المنطقة. بينما تطرح رواية أخرى، وهي الأكثر تداولاً، أن اسم “كوباني” مأخوذ من “كوم باني”، وهو مصطلح كردي يعني “الاتحاد الأعلى”، أُطلق على تحالف عشائري كردي نشأ في تلك المنطقة.

أما تسمية “عين العرب”، فيربطها الكاتب بسياق جغرافي يعود إلى نبعٍ يقع شرق المدينة، وكان الرعاة الذين يأتون إليه للرعي يستدلون على المكان بوجود هذا النبع، ومن هنا جاءت تسمية “عين العرب”، أو “كانيا عربان” بالكردية، موضحاً أن هذه التسمية أطلقها الكرد أنفسهم. ويؤكد الكاتب أن وجود كلمة “عرب” في الاسم لا يمثل بحد ذاته مشكلة، بل تكمن القضية في الطريقة التي أصبحت بها الأسماء الرسمية جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى تغيير أسماء الأماكن.

أسماءٌ عالقة بين لغتين.. أمثلة من الجزيرة

على غرار كوباني، تمتلك العديد من المدن والبلدات في منطقة الجزيرة أسماء مزدوجة أيضاً، منها القامشلي/ قامشلو وتربسبيه/ القحطانية. ويقدم كوركين عيسى، عضو مؤسسة التعليم وحماية اللغة الكردية، أمثلة على أسماء تعرضت للتعريب. فبحسب عيسى، يرتبط اسم مدينة القامشلي/ قامشلو بجذر كردي هو “قاميش” الذي يشير إلى القصب، فيما يرى أن الصيغة الحالية خضعت لتغييرات لغوية مرتبطة بالتعريب. أما تربسبيه/ القحطانية، فيشرح عيسى أن الاسم ارتبط وفق روايات محلية بقبور كانت موجودة في المنطقة ووُصفت بأنها بيضاء، مما أدى إلى تسميتها بالعربية “القبور البيض” وترجمتها إلى الكردية “تربسبيه”، ثم جرى استبدال الاسم بـ “القحطانية” في إشارة إلى بني قحطان، في محاولة للتخلص من الاسم الذي كان يُنظر إليه باعتباره ترجمة للاسم الكردي الأصلي.

وتشمل الأمثلة الأخرى التي يذكرها عيسى جل آغا/ الجوادية، كركي لكي/ معبدة، ديرك/ المالكية، إضافةً إلى عشرات القرى الأخرى التي فقدت أسماءها الأصلية. ويقدّر عيسى وجود نحو 150 قرية كردية ذات أسماء معرّبة، فيما يعتقد أن العدد قد يصل إلى 240 قرية على الأقل. ويرجع عيسى بدايات حركة التعريب في سوريا إلى مراحل مبكرة من تاريخ الدولة الحديثة، وترسخت أكثر خلال التحولات الإدارية التي شهدتها المناطق الحدودية خلال عشرينيات القرن الماضي، قبل أن تتخذ سياسة تغيير الأسماء أشكالاً أكثر وضوحاً في مراحل لاحقة.

التعريب.. “إلغاء الانتماء”

تكشف قضية تعريب أسماء المدن والقرى في سوريا عن تحديات أعمق من مجرد اختلاف بين اسمين، لتشمل قضية تتقاطع فيها السياسة وأهدافها مع اللغة والهوية والذاكرة. ووفقاً لتقارير حقوقية، فإن تعريب أسماء الأماكن كان جزءاً من سياسات الدولة، لعل أبرزها “الإحصاء الاستثنائي” و”الحزام العربي”، وهما إجراءان ارتبطا تاريخياً بتوجهات الدولة تجاه الكرد، ولا سيما في شمال شرقي سوريا. ففي عام 1962، جرّد “الإحصاء الاستثنائي” أعداداً كبيرة من الكرد السوريين من الجنسية. وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة، طُرحت خطة “الحزام العربي” عام 1965، لإعادة تشكيل التركيبة السكانية في أجزاء من المنطقة الحدودية في محافظة الحسكة، من خلال إعادة توطين عائلات عربية وترحيل أكراد من القرى الواقعة ضمن نطاق الخطة. وبذلك، جاء تعريب أسماء الأماكن ضمن سياق أوسع من السياسات المتعلقة بالهوية والتركيبة السكانية، ما جعل تغيير الاسم بالنسبة إلى كثير من الكرد يتجاوز الجانب الإداري، ليصبح مرتبطًا بالذاكرة التاريخية والانتماء إلى المكان.

إعادة الأسماء.. مطلبٌ شعبي

يطالب شاهين العلي، عضو مجلس الإدارة في اتحاد المحامين بكوباني، بإعادة اسم المدينة إلى “كوباني”، بما يعتبره تضحيات كبيرة قدمها سكان المدينة، ولا سيما خلال المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” عام 2014. ويرى المحامي أن إعادة الاسم لا ينبغي أن تقتصر على الاستخدام الشعبي، بل أن تشمل المستندات الرسمية، بما فيها السجل المدني والعقاري وجميع الوثائق الحكومية. ويلفت العلي إلى أن أهالي المدينة يمكنهم تقديم عريضة عبر الإدارة المحلية للمطالبة بتغيير الاسم، كما يمكن أن يتم ذلك بقرار من الجهة الحكومية المختصة أو بمرسوم رئاسي.

ويؤكد العلي أن الأمر لا يتعلق بكوباني وحدها، بل ينطبق على باقي المدن والبلدات التي تم تغيير أسمائها في مختلف المناطق السورية. وفي السياق، يدعو الكاتب والشاعر حسين محمد علي الحكومة السورية بأن تعيد النظر في هذه المسألة، كحق من حقوق الكرد. ويقول: “هذا هو رجاء شعبنا ومطلبه في أن تعود هذه التسميات إلى أسمائها التاريخية، وأن يُعترف بها رسمياً، بما في ذلك في السجلات والوثائق الحكومية”. ويرى أصحاب هذه المطالب أن مسؤولية الدولة تتمثل في إعادة النظر في هذه التسميات ضمن إطار قانوني ورسمي، بما يضمن استعادة الحقوق التاريخية والثقافية للسكان، مشددين على أن التسمية ليست مجرد وصف للمكان، بل هي جزء من الهوية، وأن أسماء المناطق التاريخية بالنسبة للكرد تمثل جزءاً أساسياً من تراثهم اللامادي.

تحرير: طلال عويد

شارك الخبر: