سياسة

غارات أبو الظهور الإسرائيلية: اعتراف بالتحول السياسي السوري وتحدٍ إقليمي

جريدة الوطن١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٢ م1 مشاهدة
غارات أبو الظهور الإسرائيلية: اعتراف بالتحول السياسي السوري وتحدٍ إقليمي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أبو الظهور: عندما يصبح الاستهداف الإسرائيلي اعترافاً بتحول سياسي" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تكن الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي حدثاً استثنائياً من حيث حجم الأضرار، بل اكتسبت أهميتها من السياق السياسي الذي وقعت فيه، ومن الرسالة التي حملتها، سواء كانت موجهة لدمشق أو لمحيطها الإقليمي والدولي. إن استهداف منشأة عسكرية محدودة الاستخدام، وفي وضع لا تبدو فيه ذات قيمة عسكرية كبيرة، يثير تساؤلات تتجاوز الجدوى الميدانية للغارة إلى دلالتها السياسية. يبدو أن إسرائيل تسعى لتأكيد قدرتها على الوصول إلى أي موقع داخل سوريا، في وقت تمضي فيه الدولة السورية في إعادة بناء مؤسساتها وترميم قدراتها العسكرية وتوسيع علاقاتها الإقليمية والدولية. من هذا المنطلق، يمكن فهم الاستهداف كمحاولة للتأثير في مسار التحول السوري، أكثر من كونه عملية عسكرية ذات أهداف ميدانية مباشرة.

لكن الحسابات الإسرائيلية تصطدم بمتغير أساسي: البيئة السياسية التي تتعامل فيها إسرائيل مع سوريا لم تعد كما كانت في السنوات الماضية. فدمشق لا تتعامل مع الاعتداءات بمنطق فتح جبهة جديدة، بل تؤكد تمسكها بالمسار الدبلوماسي والتفاهمات الأمنية، وفي الوقت نفسه ترفض المساس بسيادتها ووحدة أراضيها. هذا المزيج بين ضبط النفس والتمسك بالحقوق الوطنية يمنح سوريا مساحة سياسية أوسع في مواجهة التصعيد الإسرائيلي.

تتجلى أهمية هذا التحول بوضوح أكبر عند النظر إلى ردود الفعل العربية والدولية على الغارة. فقد توالت المواقف الرافضة للاستهداف من الأردن، والسعودية، ومصر، وقطر، والكويت، وتركيا، بالإضافة إلى مجلس التعاون الخليجي، مؤكدةً على سيادة سوريا ووحدة أراضيها ورفض الاعتداءات الإسرائيلية. لا تكمن أهمية هذه المواقف في عددها فحسب، بل في دلالتها السياسية: استقرار سوريا لم يعد شأناً سورياً منفرداً، بل أصبح جزءاً من حسابات الاستقرار الإقليمي.

التطور الأكثر دلالة جاء من واشنطن، حيث لم يكتفِ المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، بالدعوة إلى التهدئة، بل وصف الغارات بأنها “تصعيد غير ضروري” لا يعزز الاستقرار الإقليمي. وأكد أن الحكومة السورية لم تتبنَّ موقفاً عدائياً وأنها أبدت مراراً رغبتها في خفض التصعيد. هذا الموقف، وإن لم يعني تحولاً في العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يكشف أن هامش الحركة الإسرائيلية في الملف السوري لم يعد مفتوحاً بالقدر السابق.

ولا يمكن فصل ذلك عن الحسابات الداخلية الإسرائيلية، فحكومة بنيامين نتنياهو تتحرك وسط ضغوط سياسية وأمنية متراكمة. في مثل هذه البيئة، يمكن للعمليات العسكرية أن تؤدي وظيفة داخلية تتجاوز أهدافها الميدانية، عبر إظهار القدرة على المبادرة والحفاظ على صورة القوة. لكن تحويل الساحة السورية إلى مساحة لتصدير الأزمات الداخلية لا يضمن بالضرورة تحقيق مكاسب استراتيجية، وقد يؤدي في المقابل إلى توسيع الاعتراض الإقليمي والدولي على السياسة الإسرائيلية.

لهذا، فإن قيمة استهداف أبو الظهور لا تكمن في المطار نفسه، ولا في حجم الأضرار التي لحقت به، بل فيما كشفته الغارة عن تغير المشهد المحيط بسوريا. إسرائيل ما زالت قادرة على الضرب، لكن قدرتها على تحويل الضربة إلى مكسب سياسي لم تعد مضمونة كما كانت. وفي المقابل، تبدو دمشق أكثر قدرة على تحويل ضبط النفس إلى رصيد سياسي، مستفيدة من اتساع دائرة التضامن معها ومن تزايد القناعة الإقليمية والدولية بأن استقرار سوريا مصلحة تتجاوز حدودها.

شارك الخبر: