الاقتصاد السوري: هل هو تحول حقيقي نحو السوق أم مجرد إعادة تدوير للواقع؟


هذا الخبر بعنوان "الاقتصاد السوري… انتقال أم إعادة تدوير؟" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه الاقتصاد السوري حاليًا أزمة هوية عميقة تتجاوز مجرد مؤشرات النمو والأسعار وسعر الصرف، لتتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي المتبع. فبعد عقود من الاقتصاد الموجه، ومحاولات الانفتاح، وسنوات الحرب التي أنتجت اقتصادًا موازيًا واحتكارات وشبكات ريعية، يبرز تساؤل جوهري: هل انتقلت سوريا فعلاً إلى اقتصاد حر، أم أنها لا تزال عالقة في نموذج اقتصادي هجين؟
هجين اقتصادي بملامح واضحة
يشير الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، إلى أن الاقتصاد السوري لم ينجح حتى الآن في التحول إلى اقتصاد حر بالمعنى الأكاديمي. وبدلاً من ذلك، يعيش حالة من الاقتصاد الهجين الذي يمزج بين بقايا الاقتصاد الموجه، وممارسات رأسمالية ريعية غير منتجة، واقتصاد حرب موازٍ. ومن أبرز ملامح هذا الواقع، حسب محمد، ازدواجية السوق؛ حيث توجد سوق رسمية تخضع لقيود مصرفية وسعرية، وسوق موازية تتحكم بجزء كبير من المعاملات اليومية. هذا الوضع يضعف آلية التسعير ويحد من كفاءة السوق.
كما يلفت الدكتور محمد إلى ضعف المنافسة وتركز الثروات في أيدي فئات محدودة، مما أدى إلى نشوء أنماط احتكارية لا تتوافق مع قواعد اقتصاد السوق الحقيقي.
مؤسسات ضعيفة وعوائق هيكلية
يرى محمد أن ضعف المؤسسات التنظيمية يمثل أحد أبرز عوائق التحول الاقتصادي. فالحاجة ماسة إلى أطر قانونية أكثر فاعلية لحماية الملكية والعقود، وقضاء تجاري متخصص، وهيئات رقابية قادرة على فرض قواعد المنافسة والحد من الاحتكار. ولا تتوقف المشكلة عند الجانب المؤسسي، بل تمتد إلى هيكل الإنتاج نفسه؛ حيث تراجع دور قطاعات الزراعة والصناعة لصالح التجارة والخدمات والتحويلات، مما أضعف قدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة مضافة محلية وزاد الاعتماد على الاستيراد والاستهلاك.
كلفة التحول وإدارة الدعم
يؤكد الدكتور محمد أن أي تحول اقتصادي لا يمكن أن يكون مستدامًا إذا تحمل المواطن وحده تكلفته، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة. ولتخفيف هذه الكلفة، يتطلب الأمر إعادة هيكلة الدعم ليصل إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وبناء شبكة أمان اجتماعي حقيقية. بالإضافة إلى ذلك، يجب اعتماد ضرائب أكثر عدالة على الثروات والريوع، ومكافحة التهرب الضريبي والاقتصاد غير الرسمي. كما يشدد على ضرورة إدارة ملف سعر الصرف بصورة تدريجية ومدروسة، مع حماية القدرة الشرائية للأجور والدخول الثابتة، بدلاً من التحرير المفاجئ الذي قد يزيد الضغوط المعيشية.
دعم الإنتاج المحلي وإصلاح المؤسسات
يعتبر محمد أن دعم الإنتاج المحلي، ولا سيما الزراعة والصناعة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، هو مدخل أساسي للإصلاح، لأنه يوفر فرص العمل ويزيد القيمة المضافة ويخفف الاعتماد على الاستيراد والطلب على القطع الأجنبي. ويرى أن مكافحة الاحتكار والاقتصاد غير الرسمي يجب أن تتم عبر مؤسسات فاعلة لحماية المنافسة والمستهلك، دون العودة إلى التدخل الإداري الشامل في الأسواق.
إعادة بناء مؤسسات سليمة
يخلص الدكتور محمد إلى أن الاقتصاد السوري بحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات اقتصادية سليمة تقوم على الشفافية والمنافسة وسيادة القانون والحماية الاجتماعية. ويؤكد أن اقتصاد السوق ليس غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق النمو والاستقرار وتحسين مستوى المعيشة. وأي تحرير اقتصادي لا ترافقه مؤسسات قوية وقواعد واضحة للمنافسة وحماية اجتماعية فعالة، قد يتحول إلى إعادة إنتاج للريع والاحتكار بدلاً من تحقيق الإصلاح. وبالتالي، فإن السؤال الاقتصادي السوري لا يتعلق فقط بما إذا كانت البلاد قد انتقلت من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق، بل بما إذا كانت تمتلك المؤسسات والإنتاج والقوانين والحماية الاجتماعية التي تجعل هذا الانتقال حقيقيًا وقابلاً للاستمرار.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد