صعلكة الدول: تفكيك الدولة السورية عبر الانقلابات والأيديولوجيات


هذا الخبر بعنوان "صعلكة الدول.. الحالة السورية نموذجًا- 2" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الجزء الثاني من هذا المقال، ننتقل إلى تحليل الحالة السورية بعد أن استعرضنا في الجزء الأول مفهوم "صعلكة الدول". يبدأ المقال بالإشارة إلى نشوء مفهوم الوطن السوري في عام 1920، مستذكرًا شخصيات وطنية بارزة ساهمت في تأسيسه، كما ورد في مقال سابق بعنوان "الأيديولوجيات الأممية وقتل الوطنية". يُعد عام 1936 نقطة تحول هامة بتوقيع المعاهدة السورية الفرنسية، التي مثلت اعترافًا ضمنيًا بوجود كيان سياسي سوري ذي مؤسسات دستورية، مستندًا إلى دستور عام 1930. هذا الدستور كفل حقوق الأفراد، حيث نص على المساواة أمام القانون دون تمييز ديني أو مذهبي أو عرقي، وحرية الاعتقاد، واحترام الأديان، وحماية المصالح الدينية، وجعل اللغة العربية اللغة الرسمية مع إمكانية إضافة لغات أخرى. كما كفل حق كل سوري في تولي الوظائف العامة وحقوق الطوائف الدينية في إنشاء مدارسها.
بعد المعاهدة، عاد الثوار من المنفى لممارسة النشاط السياسي. إلا أن الانقلاب الأول لحسني الزعيم عام 1949 شكل بداية "صعلكة" الدولة المدنية، حيث تم إلغاء دستور 1930، وحل مجلس النواب، وتقييد النشاط الحزبي، واعتقال السياسيين. تبع ذلك انقلاب الحناوي ثم الشيشكلي، الذي شهد صدور دستور عام 1950 الذي نص صراحة على أن الدولة "عربية"، مما يعكس غلبة الأيديولوجيات القومية. ورغم ذلك، بقيت حقوق الأفراد مكفولة، بما في ذلك حق تشكيل الأحزاب.
شكل انقلاب الشيشكلي محاولة ثانية لـ"صعلكة" الدولة، حيث حل مجلس النواب وعطل الحياة الحزبية وأسس حزبًا له. أما جمال عبد الناصر، فيمثل المحاولة الثالثة، حيث ألغى التعددية الحزبية واشترط حل الأحزاب للدخول في الوحدة مع سوريا. يُشار إلى أن هؤلاء القادة حاولوا تشكيل حزب واحد قائد للدولة والمجتمع. باءت محاولات الزعيم والشيشكلي وناصر بالفشل لقصور مدد حكمهم، لكن "الصعلكة" الحقيقية بدأت بعد عام 1961، عام الانفصال عن مصر.
تميزت الفترة بين 1961 و1970 بكثرة الانقلابات التي مهدت لوصول حافظ الأسد. شهدت هذه الفترة اضطرابات داخلية عنيفة، تضمنت انقلاب آذار 1963 بسيطرة اللجنة العسكرية البعثية، وتسريح عدد كبير من الضباط القدامى واستبدالهم بآخرين أقل خبرة، مما شكل بداية "الصعلكة" العسكرية. كما جرت عمليات تأميم واسعة شملت الأراضي والمصارف والمصانع، وتم تسليمها للعمال والفلاحين، مما أدى إلى مشاكل إدارية وفساد.
في عام 1966، جرى انقلاب القيادة القطرية على القومية، وتم التخلص من الأيديولوجيين التاريخيين للبعث، الذين وافقوا على إنشاء محاكم عسكرية استثنائية. كما شهد العام نفسه محاولة انقلاب سليم حاطوم، مما أدى إلى إعادة توسيع "الصعلكة" العسكرية بتسريح ضباط آخرين واستبدالهم. تشير المصادر إلى تسريح حوالي 2000 ضابط بين عامي 1963 و1967، واستبدالهم بضباط ذوي رتب دنيا وقليلي الخبرة، مما أدى إلى ضعف الأداء المهني للجيش وهزيمته في عام 1967. بعد ذلك، بدأ حافظ الأسد بالتطهير العسكري لجماعة صلاح جديد، تمهيدًا لوصوله في عام 1970.
يُلاحظ أن وصول حافظ الأسد، "قائد الصعاليك الأول"، جاء بعد عمليات "صعلكة" واسعة النطاق للدولة السورية عسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا ومدنيًا بين عامي 1963 و1970، بمشاركة الأيديولوجيين القوميين والاشتراكيين. سيتناول الجزء الثالث كيفية استمرار "صعلكة" الدولة السورية من عام 1970 حتى اليوم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة