سوريا محلي

وكالة سانا بعد التحرير: بناء علاقة وطنية جديدة مع السوريين

sana.sy١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٣ م2 مشاهدة
وكالة سانا بعد التحرير: بناء علاقة وطنية جديدة مع السوريين

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سانا بعد التحرير.. إعلام وطني يعيد بناء علاقته بالسوريين" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

دمشق - سانا: في الثامن من كانون الأول عام 2024، شهدت سوريا تحولاً سياسياً عميقاً لم يقتصر على تغيير الإدارات، بل امتد ليشمل مختلف مؤسسات الدولة، وكان الإعلام في طليعة القطاعات التي واجهت استحقاق إعادة تعريف دورها وعلاقتها بالجمهور. وفي خضم هذا التحول، وجدت وكالة الأنباء السورية “سانا” نفسها أمام تحدٍّ يتجاوز تغيير القيادات إلى إعادة بناء نموذج عمل إعلامي مبتكر، يواكب سوريا الجديدة، ويقترب من هموم السوريين وقضاياهم، ويعزز من مكانة الخبر والمعلومة في صناعة المحتوى.

خلال المرحلة التي تلت سقوط النظام السابق، أظهر أداء الوكالة تحولات ملموسة في المضمون والخطاب الإعلامي، وآليات إنتاج الأخبار، والتغطية الميدانية، بالإضافة إلى تطوير الجوانب الفنية والتقنية والهوية البصرية، سعياً للانتقال من نموذج إعلامي تقليدي إلى منتج إخباري يتسم بالسرعة والتنوع والحضور.

نحو إعلام يضع المواطن في مركز الصورة

من أبرز التحولات التي طرأت على تجربة “سانا” الجديدة هو إعادة ترتيب أولويات التغطية. فلم يعد الخبر مقتصراً على نشاطات المسؤولين والمؤسسات الرسمية، بل اتسعت مساحة الموضوعات لتشمل حياة السوريين اليومية، وقضاياهم الاجتماعية والاقتصادية والخدمية، وتحدياتهم داخل البلاد وخارجها. هذا التغيير لمسه المواطنون الذين تابعوا أداء الوكالة مؤخراً. ويرى المهندس المعماري فراس محمد حسن، وهو سوري مقيم في السعودية، أن “سانا” أصبحت، منذ التحرير، أقرب إلى الواقع وأكثر موضوعية ومهنية، مشيراً إلى الفارق الواضح بين أدائها الحالي وما كان عليه في عهد النظام السابق، خاصة فيما يتعلق بالخطاب الإعلامي. ويضيف حسن أن الوكالة باتت تعكس صورة “سوريا الحديثة وسوريا التي نريدها”، بعد أن كان دورها سابقاً، بحسب وصفه، منصباً على تمجيد السلطة.

من جهته، يرى صفوان البركومي، صاحب محل خضار وسوري مقيم في الأردن، أن “سانا” أصبحت تولي اهتماماً أكبر لأوجاع السوريين، سواء داخل البلاد أو خارجها، وتناقش معاناتهم وقضاياهم. ويشير إلى أن أبرز ما تغير هو نقل “الكلمة الحقيقية” بعيداً عن التزييف. ولا يقتصر هذا التغير على الموضوعات، بل يمتد إلى طريقة النظر إلى المواطن نفسه، من مجرد متلقٍ للأخبار إلى مصدر أساسي للمعلومة وشريك في صناعة القصة الصحفية.

الخبر أولاً.. ثم قراءة الحدث

لا يقتصر التحول على اختيار الموضوعات، بل يشمل أيضاً طريقة إنتاج الخبر وبنائه وتقديمه للجمهور. فبعد أن كان الإعلام الرسمي قبل التحرير يتحرك ضمن إطار الموقف السياسي الذي يحدد زاوية تناول الحدث، تبدو التجربة الجديدة أكثر تركيزاً على نقل الوقائع والمعلومات، ثم وضعها في سياقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومن بلجيكا، يرى السوري أحمد مكية أن العام الذي أعقب سقوط النظام السابق شكّل مرحلة انتقالية بالنسبة إلى “سانا”، امتد فيها التغيير إلى آلية إنتاج الخبر نفسها. ويشير مكية إلى فارق بين المرحلتين؛ ففي السابق كان الخبر يخدم الموقف السياسي للسلطة، بينما أصبحت الأولوية الآن لنقل الحدث والمعلومة أولاً، ثم تقديم الموقف أو السياق المتعلق بها، مما يمنح المتلقي فرصة أكبر لتكوين صورة عن الحدث وفهم أبعاده. وترسيخ هذا التحول يمثل أحد شروط بناء إعلام إخباري مهني، لأن الثقة لا تقوم فقط على سرعة الوصول إلى الخبر، بل على الفصل بين نقل المعلومة وتفسيرها أو التعليق عليها.

مساحة أوسع لقضايا السوريين

بالتوازي مع إعادة ترتيب أولويات الخبر، اتسعت مساحة التغطية لتشمل قضايا كانت أقل حضوراً في المشهد الإعلامي الرسمي. وترى رغيد رزة، سورية مقيمة في فرنسا، أن التحول يبدو واضحاً في طبيعة الموضوعات التي تسلط “سانا” الضوء عليها، مشيرة إلى أن التركيز لم يعد منصباً بالدرجة نفسها على أخبار الرؤساء وتغييرات السلطة، بل أصبح أقرب إلى الشعب ومشكلاته واحتياجاته. وتعتبر رزة أن مساحة التعبير أصبحت أوسع، وأن التركيز على قضايا السوريين يمثل تحولاً مهماً في الخطاب الإعلامي. ولا تتوقف أهمية هذا التحول عند زيادة عدد الموضوعات الاجتماعية، بل تتصل بإعادة تعريف مفهوم الخبر نفسه؛ فالخبر لم يعد بالضرورة ما يحدث داخل المؤسسات الرسمية، بل ما يمس حياة الناس ويؤثر في واقعهم، من الخدمات والاقتصاد والتعليم والصحة إلى قصص النجاح والمبادرات المجتمعية والتحديات اليومية.

وفي هذا السياق، ترى جهاد الحسن، سورية مقيمة في هولندا، أن “سانا” شهدت تطوراً ملحوظاً في تغطية قضايا المجتمع والبلاد، لكنها تشدد على أهمية مواصلة التطوير والتركيز أكثر على المشكلات الموجودة في الشارع السوري، إلى جانب إبراز قصص النجاح والفرص المتاحة داخل البلاد.

من نقل الخبر إلى صناعة منتج متكامل

التحول الذي شهدته “سانا” لم يقتصر على المضمون، بل شمل أيضاً أدوات إنتاج المحتوى وطريقة تقديمه. فالتغطية الإخبارية الحديثة لم تعد تعتمد على النص وحده، بل على منظومة متكاملة تجمع الخبر والصورة والفيديو والتغطية الميدانية والمحتوى الرقمي، وهو ما فرض تطويراً متوازياً في عمل الأقسام الفنية، من التصوير والمونتاج إلى الإخراج والإنتاج الرقمي. كما أن تطور أدوات التصوير والمونتاج والإنتاج المرئي يتيح للوكالة تقديم الحدث بصورة أكثر احترافية، والوصول إلى جمهور أوسع، ولا سيما الأجيال التي تتلقى جزءاً كبيراً من أخبارها عبر المنصات الرقمية. وهنا تصبح التكنولوجيا جزءاً من التحول التحريري نفسه؛ فسرعة التصوير ونقل الصورة والمونتاج والنشر تعني قدرة أكبر على الحضور في قلب الحدث، بينما يتيح التطور البصري تقديم القصة بطريقة أكثر وضوحاً وتأثيراً.

هوية بصرية تواكب مرحلة مختلفة

إعادة بناء العلاقة مع الجمهور لا تنفصل عن الشكل الذي تظهر به المؤسسة أمامه؛ فالهوية البصرية للوكالة وطريقة عرض الأخبار والصور والفيديوهات تشكل جزءاً من الصورة الذهنية التي تتكون لدى المتلقي. ومن هنا، يأتي تطوير الشكل البصري لـ”سانا” بالتوازي مع التحول في المضمون، إذ لم يعد المطلوب فقط أن تتغير الموضوعات، بل أن يرافق ذلك حضور بصري أكثر حداثة ووضوحاً، يعكس طبيعة المرحلة الجديدة ويجعل المحتوى أكثر قدرة على المنافسة في بيئة إعلامية شديدة التنوع.

استعادة الثقة.. المهمة الأصعب

رغم التحولات التي يمكن رصدها في تجربة “سانا” خلال المرحلة الجديدة، فإن إعادة بناء الثقة تبقى عملية تراكمية لا تحسمها تغييرات الشكل أو الإدارة وحدها. فالجمهور الذي عاش سنوات طويلة في بيئة إعلامية مرتبطة بشكل وثيق بالسلطة وتسويق سياساتها، يحتاج إلى وقت ليرى التغيير في الأداء اليومي، وأن يلمس الفارق في طريقة التعامل مع الحقيقة، وفي سرعة تصحيح الأخطاء، وتعدد الأصوات، وحضور الصحفي في الميدان، وقدرة المؤسسة على نقل ما يحدث كما هو. وتتقاطع شهادات السوريين داخل البلاد وخارجها حول أهمية استمرار هذا المسار؛ فبينما يلمس بعضهم تحولاً واضحاً في الخطاب والمضمون، يربط آخرون نجاح التجربة بقدرتها على مواصلة الاقتراب من الشارع، وتناول مشكلاته، وتوسيع مساحة التعبير وإبراز قصص السوريين المختلفة. وهذا يعني أن التحدي أمام “سانا” لم يعد مجرد الانتقال من مرحلة إلى أخرى، بل بناء نموذج مهني قادر على الاستمرار في بيئة إعلامية جديدة تتعدد فيها المصادر وتتسارع فيها الأخبار.

“سانا”.. مساحة جديدة للحكاية السورية

بعد الثامن من كانون الأول 2024، دخلت “سانا” مرحلة مختلفة من تاريخها، وأصبح عليها أن تعيد صياغة دورها بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها سوريا. واللافت أن هذا التحول لا يظهر في جانب واحد، بل في منظومة متكاملة تبدأ من الخبر والمضمون، وتمر بطريقة اختيار الموضوعات وزوايا معالجتها، ولا تنتهي عند التصوير والمونتاج والإنتاج الرقمي والهوية البصرية. وإذا كانت الشهادات التي قدمها سوريون من داخل البلاد وخارجها تعكس انطباعات إيجابية عن هذا المسار، فإنها في الوقت نفسه تضع أمام الوكالة مسؤولية مواصلة التطوير، لأن الإعلام المهني لا يكتسب مصداقيته دفعة واحدة، بل يبنيها خبراً بعد خبر وتغطية بعد أخرى. وفي سوريا التي دخلت مرحلة جديدة، تبدو “سانا” في سياق إعادة تعريف نفسها، ليس باعتبارها مجرد ناقل رسمي للأحداث، بل مؤسسة إخبارية تسعى إلى أن تكون قريبة من الناس، حاضرة في الميدان، سريعة في نقل الحدث، دقيقة في تقديم المعلومة، وأكثر تنوعاً في تناول القضايا السورية والعربية والدولية. فالمعركة الحقيقية لأي مؤسسة إعلامية في المرحلة المقبلة لن تكون على امتلاك الخبر فقط، بل على كسب ثقة الجمهور. وهذه الثقة تُبنى عبر صورة أكثر مهنية، وخبر أكثر دقة، وصوت أكثر تنوعاً، ومعلومة تصل في وقتها، وإعلام يرى السوري أولاً، ويستمع إليه، وينقل قصته كما هي.

شارك الخبر: