في الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة الكيماوي بالغوطتين: دعوات متجددة للعدالة وحفظ الذاكرة


هذا الخبر بعنوان "مجزرة الكيماوي.. ضحايا ينتظرون العدالة وذاكرة تبحث عن التخليد" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الذكرى الـ13 لمجزرة الكيماوي في غوطتي دمشق، تعود إلى الواجهة واحدة من أكبر المجازر التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية على يد قوات النظام السابق، بعدما أودى هجوم بغاز السارين بحياة أكثر من ألف شخص وأصاب آلافًا آخرين. وبينما تتجدد المطالب بتخليد ذكرى الضحايا وتحويل 21 من آب إلى يوم الوطني، يطرح أهالي الضحايا سؤالًا آخر عن شكل إحياء الذكرى، بين ضرورة حفظ الذاكرة والخشية من استعادة جراح ما زالت مفتوحة. وتتزامن الذكرى هذا العام مع تطورات متسارعة في كشف ملف البرنامج الكيماوي للنظام السابق، وحفظ الأدلة المرتبطة به، وسط مطالب بإدماج هذه الجرائم في مسار العدالة والمساءلة.
1144 قتيلًا
وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في تقرير صدر اليوم، الجمعة 21 من آب، مقتل ما لا يقل عن 1144 شخصًا وإصابة نحو 5935 آخرين في الهجوم بغاز السارين على الغوطتين الشرقية والغربية في ريف دمشق. ووفق التقرير، فإن من بين القتلى 1119 مدنيًا، من ضمنهم 99 طفلًا و194 سيدة، إضافة إلى 25 من مقاتلي المعارضة المسلحة، فيما أصيب نحو 5935 شخصًا معظمهم من المدنيين بأعراض تنفسية وحالات اختناق ناجمة عن التعرض للغازات السامة، وتمثل هذه الأرقام الحد الأدنى للحصيلة الموثقة بصورة فردية.
وكشف التقرير أن عدد قتلى هجوم الغوطتين يشكل نحو 76% من إجمالي ضحايا الهجمات الكيماوية التي وثقتها “الشبكة” ونسبتها إلى قوات النظام السابق بين كانون الأول 2012 وأيار 2019. وتضمن الهجوم أربع ضربات كيماوية متزامنة استهدفت مناطق مأهولة بالسكان في الغوطتين الشرقية والغربية، بما في ذلك معضمية الشام، واستُخدم فيه ما لا يقل عن عشرة صواريخ محملة بغاز السارين، بكمية إجمالية قدرت بنحو 200 ليتر. وأطلقت الصواريخ بعد منتصف الليل، في وقت كانت فيه الظروف الجوية مواتية لانتشار الغازات السامة قرب سطح الأرض، ما أسهم في ارتفاع عدد الضحايا بين المدنيين النائمين.
تخليد الذكرى
في استطلاع أجرته عنب بلدي مع أهالٍ من ريف دمشق ممن عايشوا الهجوم الكيماوي، تباينت الآراء حول مقترح اعتماد يوم 21 من آب يومًا وطنيًا لإحياء الذكرى. ويرى بعض الأهالي أن إحياء الذكرى سنويًا يضمن انتقال القضية عبر الأجيال، ويعتبرون أن تنظيم فعاليات استذكارية سنويًا أمر بديهي لا مناص منه، مؤكدين أن الأطفال والكبار مطالبون بتذكير الأجيال القادمة كي تظل هذه المجزرة حاضرة في القلوب.
وشدد آخرون على ضرورة إدراج هذا اليوم ضمن المناسبات الوطنية الرسمية، على غرار أعياد التحرير وعيد الأم، نظرًا إلى الأثر الأليم الذي تركته “الفاجعة” في نفوس جميع السوريين. كما طالب بعضهم بضرورة تكريم الضحايا وعائلاتهم بشكل مباشر، لافتين إلى وجود عائلات أبيدت بكامل أفرادها من الآباء والأبناء، وهو ما يستوجب تخليد ذراهم بنصب تذكارية تقديرًا لحجم الفقد.
في المقابل، تخوف آخرون من تحويل الذكرى إلى مناسبة عامة أو احتفالية رسمية، معتبرين أن ذلك من شأنه أن ينكأ جراح الأمهات ويجدد أحزان الأهالي، خصوصًا في مناطق مثل زملكا التي سقطت فيها أعداد كبيرة من الضحايا. ويرى هؤلاء أن الواقعة كانت مأساة كبرى لا تحتمل التوظيف أو إعادة فتح ملفاتها المؤلمة، وأن الذكرى تعيش في القلوب ولا تحتاج إلى ضجيج إعلامي أو صخب.
ضحايا لم يستيقظوا
ظلت تفاصيل تلك الليلة محفورة في ذاكرة الناجين، إذ استذكر الأهالي خروج الصواريخ المحملة بالغازات السامة في حدود الساعة الثانية بعد منتصف الليل في أثناء نوم السكان، ليصحو الناجون في اليوم التالي على مشاهد مروعة شملت مئات الأطفال والنساء. وروى مشاركون في شهاداتهم لعنب بلدي مشاهدات لأطفال قضوا اختناقًا في أسرّتهم دون أن يتاح لهم الاستيقاظ، إضافة إلى حالة الإرباك والصدمة التي رافقت عمليات الدفن السريعة في ظل انعدام الخبرة والمعدات الطبية حينها.
وأدى هذا الإرباك في بعض الحالات إلى دفن مصابين بفقدان وعي ظنًا أنهم فارقوا الحياة، وسط تقديرات محلية بتجاوز أعداد الضحايا حاجز الألفين. وتتسق هذه الروايات مع خلاصات بعثة الأمم المتحدة للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، التي أكدت في تقرير صدر في 16 من أيلول 2013 استخدام صواريخ أرض-أرض تحتوي على غاز السارين ضد المدنيين على نطاق واسع في منطقة الغوطة.
222 هجومًا كيماويًا
كشف تقرير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أن المنظمة وثقت 222 هجومًا كيماويًا منذ أول استخدام موثق للأسلحة الكيميائية في 23 من كانون الأول 2012 حتى 8 من كانون الأول 2024، نفذت قوات النظام السابق منها 217 هجومًا، أي نحو 98% من الإجمالي. وأسفرت هذه الهجمات، بحسب “الشبكة”، عن مقتل 1514 شخصًا، بينهم 1413 مدنيًا من ضمنهم 214 طفلًا و262 سيدة، وإصابة 11080 شخصًا.
وبين آب 2025 وآب 2026، أتاحت التطورات في سوريا لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية نطاقًا أوسع للوصول إلى عدد من المواقع والوثائق والمعلومات المرتبطة بالبرنامج الكيماوي للنظام السابق. وفي كانون الثاني 2026، وفقًا لتقرير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، خلص فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع للمنظمة، وفق معيار “وجود أسباب معقولة للاعتقاد”، إلى أن القوات الجوية التابعة للنظام السابق نفذت الهجوم الكيماوي على كفرزيتا في محافظة حماة في تشرين الأول 2016، وهو ما يمثل جزءًا من السجل الدولي الرسمي.
وأشارت الأمانة الفنية للمنظمة والأمم المتحدة إلى وجود أكثر من 100 موقع يحتمل أن تكون ذات صلة بأنشطة البرنامج الكيماوي، إضافة إلى مواقع لم تكن مدرجة في الإعلانات الرسمية السابقة، وعثر فريق من خبراء المنظمة على عشرات الذخائر والمواد والمعدات والوثائق غير المعلنة المرتبطة بالبرنامج. وشدد المدير التنفيذي لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، على ضرورة تأمين المواد المرتبطة بالبرنامج الكيماوي وتوثيقها قبل إتلافها، بطريقة تحافظ على قيمتها الإثباتية، مؤكدين أن عمليات التحقق وحفظ الأدلة والتحقيق الجنائي وجبر ضرر الضحايا التزامات مترابطة.
مطالب بالتعاون الكامل والمساءلة
دعت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” الحكومة السورية الحالية إلى مواصلة التعاون الكامل والقابل للتحقق مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وإتاحة الوصول غير المقيد إلى جميع المواقع والأرشيفات والأشخاص المرتبطين بالبرنامج الكيماوي، وتأمين المواد والمواقع والوثائق ذات الصلة وحفظها ضمن سلسلة حيازة موثقة قبل إتلافها.
كما طالبت بإدماج ملف الهجمات الكيماوية في مسارات العدالة الانتقالية، واعتماد 21 من آب يومًا وطنيًا لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الكيماوية، وتطوير برامج مستدامة للعلاج وإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي. ودعت “الشبكة” أيضًا مجلس الأمن إلى النظر في إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتجديد دعم الآلية الدولية المحايدة والمستقلة ولجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي