اليورانيوم السوري: هل طي صفحة الماضي يعني إغلاق الملف النووي؟


هذا الخبر بعنوان "اليورانيوم السوري.. ما المطلوب بعد طي الصفحة؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن إعلان وجود “عدة أطنان” من اليورانيوم الطبيعي في سوريا هو الخبر الوحيد الذي صاحب زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إلى دمشق. جاء هذا الإعلان في وقت تسعى فيه سوريا للانتقال من التعامل مع إرث نووي يعود إلى حقبة النظام السابق، إلى بناء علاقة جديدة مع الوكالة تقوم على أسس التعاون والشفافية. وخلال لقائه وزير الخارجية، أسعد الشيباني، في 18 آب الحالي، تحدث غروسي عن طي صفحة الماضي وبدء مرحلة جديدة من التعاون، فيما أكدت دمشق استعدادها للتعاون مع الوكالة وتمسكها بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
تطرح هذه التطورات أسئلة تتجاوز مجرد وجود اليورانيوم: ما هي الدلالات العلمية والأمنية والسياسية لهذه الكمية؟ وهل يعني الحديث عن طي صفحة الماضي أن الملف النووي السوري قد أُغلق فعليًا؟ وما الذي يمكن أن تحصل عليه دمشق من هذا التعاون؟ وأين تقع حدود حقها في تطوير برنامج نووي سلمي؟
إن وجود اليورانيوم الطبيعي في موقع سوري غير معلن يعيد ملف الأنشطة النووية السابقة إلى الواجهة، بعد سنوات ظلت خلالها هذه القضية من القضايا العالقة بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال عهد النظام السابق. ويرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن الإعلان لا ينبغي التعامل معه كدليل على امتلاك سوريا قدرة نووية عسكرية، بل ككشف عن جزء من ملف موروث يحتاج إلى معالجة تتسم بالشفافية والمهنية. وأضاف العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، أن الوكالة تسعى لمعرفة مصدر المواد وسبب وجودها في موقع غير معلن، وصلتها بالأنشطة النووية السابقة. واعتبر أن فتح الموقع أمام المفتشين وإتاحة الجرد والتحقق يمثلان خطوة سياسية مهمة، لأن دمشق تنتقل من موقع الدفاع عن ملف غامض إلى موقع المبادرة في معالجته.
“الإعلان عن وجود أطنان من اليورانيوم الطبيعي في سوريا لا ينبغي التعامل معه كدليل على امتلاك سوريا قدرة نووية عسكرية، بل باعتباره كشفًا عن جزء من ملف موروث يحتاج إلى معالجة شفافة.”
الدكتور سمير العبد الله، باحث أول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
يوافقه الرأي الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري، الذي اعتبر أن الرقم لا ينبغي تضخيمه، لأن الحديث يدور حول يورانيوم طبيعي وليس عالي التخصيب، وبالتالي فإن وجود عدة أطنان لا يعني امتلاك قدرة عسكرية نووية. وأوضح فاخوري، في حديث إلى عنب بلدي، أن الأهمية تكمن في الجانب السياسي بالدرجة الأولى، إذ إن الكشف عن المواد والسماح للوكالة بالتحقق منها يعكسان رغبة في الشفافية وتحويل ملف قديم ومثير للشكوك إلى ملف خاضع للرقابة الدولية.
وصف غروسي المرحلة الجديدة بأنها “طي لصفحة الماضي وبدء صفحة جديدة مع سوريا”. وهنا يبرز السؤال حول الدلالة السياسية لهذا التحول، وما إذا كان يمثل بداية فعلية لإنهاء الملف الموروث من المرحلة السابقة. ويرى الدكتور سمير العبد الله أن طي صفحة الماضي سيبقى مشروطًا، فالملف لم يُغلق بعد، وإنما بدأ مسار يمكن أن يقود إلى إغلاقه إذا استكملت سوريا التزاماتها وقدمت المعلومات والوثائق المطلوبة وسمحت للوكالة بإتمام التحقق. وأضاف أن ذلك قد يتيح لمجلس المحافظين إعادة النظر في ملف عدم الامتثال الموروث من مرحلة النظام السابق. أما فاخوري فيرى أن حديث غروسي مؤشر سياسي مهم على دخول العلاقة بين دمشق والوكالة مرحلة جديدة، تحاول فيها سوريا الفصل بين الدولة الحالية والإرث النووي للنظام السابق. لكنه يؤكد أن الملف القديم لم يُغلق نهائيًا من الناحية الفنية، وأن الوكالة لا تزال تستكمل عملية التحقق.
“حديث غروسي عن طي صفحة الماضي مؤشر سياسي مهم على دخول العلاقة بين دمشق والوكالة مرحلة جديدة، تحاول فيها سوريا الفصل بين الدولة الحالية والإرث النووي للنظام السابق.”
الدكتور عامر فاخوري، خبير في العلاقات الدولية
مع عودة التعاون بين دمشق والوكالة، يبرز سؤال حول ما يمكن أن تحصل عليه سوريا عمليًا من هذا المسار. يرى العبد الله أن المكاسب المحتملة لسوريا تشمل تطوير خدمات علاج السرطان والطب النووي، وتحسين الأمن الغذائي والزراعة، واستخدام التقنيات النووية في إدارة المياه، إلى جانب تأهيل الكوادر، وبناء منظومة وطنية للسلامة والرقابة. وأشار فاخوري كذلك إلى إمكانية حصول سوريا على دعم وخبرات في الطب النووي وعلاج السرطان، والزراعة والمياه، والسلامة الإشعاعية، وتدريب الكوادر. وعلى المدى البعيد، يرى أن سوريا يمكن أن تطور برنامجًا للطاقة النووية السلمية إذا توفرت الإمكانات والتمويل والضمانات الدولية.
بين تأكيد الوزير الشيباني حق سوريا في امتلاك برنامج نووي سلمي واستمرار الالتزامات الدولية، يطرح التصريح تساؤلات حول دلالاته السياسية وتبعاته على علاقة سوريا بالمجتمع الدولي. ويرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن هذا الحق قانوني ومشروع، لكن ترجمته العملية تحتاج إلى شفافية كاملة وتمويل، وتشريعات وكفاءات، وجدوى اقتصادية. ويتفق الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري مع ذلك، مؤكدًا أن سوريا تملك هذا الحق طالما أن البرنامج سلمي ويخضع للضمانات الدولية، موضحًا أن المشكلة ليست في وجود برنامج سلمي، وإنما في طبيعته وحدوده. ويعتبر أن إسرائيل ستكون الأكثر حساسية تجاه أي تطور نووي سوري، خصوصًا إذا اتجهت سوريا مستقبلًا نحو تقنيات حساسة مثل تخصيب اليورانيوم، بينما من المرجح أن تقبل الولايات المتحدة وأوروبا ببرنامج سلمي شفاف وخاضع بالكامل لرقابة الوكالة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة