قضية الشاب محمد غميرة في الحفة.. اختبار حقيقي لمفهوم دولة المؤسسات وسيادة القانون في سوريا


هذا الخبر بعنوان "هل الصفعة تقتل؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
انشغل الرأي العام السوري خلال الأيام الماضية بقضية الشاب محمد غميرة، بعد وفاته في قسم شرطة الحفة بريف اللاذقية، لتشكل وزارة الداخلية بعدها لجنة للتحقيق في القضية. وفي 20 من آب الحالي، أعلنت اللجنة نتائج عملها، مبينة أن غميرة، المصاب بمرض الناعور، كان قد أخبر العناصر بمرضه من دون أن يُثبَّت ذلك في الضبط، كما أثبت التحقيق قيام أحد المحققين بصفعه على منطقة الرقبة.
أُحيل المحقق إلى النيابة العامة، مع توسيع التحقيق المسلكي مع رئيس القسم ومحقق آخر، بانتظار إحالة القضية إلى القضاء. إن السؤال الأبسط الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا يضرب محقق موقوفًا أصلًا؟ ويصبح هذا السؤال أكثر جدية حين نتذكر أن سوريا تغيرت سياسيًا، فقد سقوط نظام الأسد بعد 14 عامًا من الثورة، مما جعل أمل السوريين كبيرًا بدولة عادية.
خلال العقود الماضية، نشأت علاقة مألوفة بين التحقيق والعنف حتى أصبح توقيف الشخص يعني تلقائيًا أسئلة وصراخًا أو إهانة أو ضربًا للحكومة على إجابة. وقد شاهدنا سابقًا اعتداءات على موقوفين، لكن تسمح لصاحب السلطة بأن يعبر عن غضبه تجاه موقوف لديه يعد بابًا شديد الخطورة.
في عام 2020، أوقف عناصر شرطة في مرسيليا شابًا أفغانيًا واعتدوا عليه بالضرب في مكان معزول، وقال أحد الشرطة إن هذا الفعل أراحه نفسيًا، وأدين لاحقًا ثلاثة عناصر وصدرت بحقهم أحكام بالسجن والمنع النهائي من المهنة. إن الدولة أعطت الشرطي السلطة لتنفيذ وظيفة محددة وليس للتعبير عن غضبه، وكلما زادت القوة التي تمنحها الدولة لموظف، وجب أن تقل المساحة التي تسمح له فيها بالتعبير عن ميوله الشخصية.
باستخدام مصطلح "السلوكيات المتشابكة" لعالمة السلوك سيغريد غلين، نرى أن المؤسسة ليست مبنى ولا شعارًا، بل شبكة من السلوكيات المتشابكة حيث يتصرف المحقق، ويزميلة يشاهد، ورئيس القسم يتحمل المسؤولية، والوزارة تحقق، والنيابة تتسلم الملف، والمحامي يدافع، والصحفي ينشر، وجمعيات حقوق الإنسان تراقب، والرأي العام يتابع.
لذلك يجب ألا نعالج خطأ سلوكيًا بخطأ سلوكي جديد؛ فبيان وزارة الداخلية ليس حكمًا قضائيًا، وهناك قاضٍ عليه فحص الوقائع لتحديد المسؤولية. دولة المؤسسات هي سلسلة من الأشخاص يقاوم كل منهم إغراء القيام بدور الآخر، فالشرطي لا يصبح قاضيًا، والوزير لا يصبح شرطيًا، والصحفي لا ينقل الشائعات، والقاضي لا يتأثر بالرأي العام. بناء الدولة يبدأ بأن نستوعب أين الخطأ، فالقاعدة السلوكية واضحة: الموقوف لا يُضرب، والمتهم لا يُدان قبل القضاء، وصاحب السلطة لا يستخدم قوة الدولة للتعبير عن غضبه.
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة
سياسة