سوريا محلي

عودة السوريين: ما وراء الخوف.. فاتورة الاستقرار المنسية

حرية برس١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٥ م1 مشاهدة
عودة السوريين: ما وراء الخوف.. فاتورة الاستقرار المنسية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أبعد من الخوف.. الفاتورة المنسية لعودة السوريين إلى بلادهم" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد سنوات من القمع، سقط نظام الأسد وفتحت أبواب السجون، مما أتاح للسوريين آمالاً جديدة، أبرزها حلم العودة إلى الوطن. لعقد من الزمان، ارتبطت عودة اللاجئين السوريين بالمخاوف الأمنية، وكان السؤال الأبرز: "هل العودة آمنة؟". لكن التحولات السياسية والميدانية الأخيرة غيرت المعايير، وفتحت الباب أمام موجة عودة واسعة. تشير تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى عودة حوالي 1.7 مليون لاجئ، بالإضافة إلى 1.9 مليون نازح داخلياً إلى مناطقهم الأصلية.

ومع ذلك، كشف هذا التدفق البشري عن حقيقة مغيبة: الخوف لم يعد العائق الوحيد. فخلف الأمان النسبي، تبرز فاتورة منسية للعودة، حيث يتحول حلم الاستقرار إلى معركة يومية قاسية للبقاء. يصطدم العائدون بغياب المأوى المتاح؛ ففي مدن كبرى مثل حمص وحلب وريف دمشق، المنازل إما مدمرة أو متآكلة، وتكاليف الترميم تفوق بناء منزل جديد. في ظل غياب الدعم الدولي لإعادة الإعمار، يجد المواطن نفسه عاجزاً عن تأمين سقف يؤويه، مما يضطره للسكن في بيوت غير آمنة أو العيش في ظروف شبيهة بالمخيمات.

الواقع الخدمي منهك أيضاً؛ فالمناطق تفتقر للمياه والكهرباء، مما يجبر العائلات على دفع مبالغ طائلة لتأمين هذه الاحتياجات. المدارس الحكومية تعاني من تكدس الفصول ونقص المعلمين، والقطاع الطبي يشهد نقصاً حاداً في الكوادر والمستلزمات، مما يعرض الفئات الضعيفة لمخاطر صحية.

يواجه العائدون الذين استنزفوا مدخراتهم في دول اللجوء سوق عمل شبه مشلول، وتضخماً جامحاً، وفرص عمل نادرة برواتب لا تكفي لسد رمقهم. تراجعت التمويلات الدولية للإغاثة الإنسانية، مما يترك العائدين بلا شبكة أمان اقتصادي.

تتجاوز الأزمة الجانب المادي لتشمل البيروقراطية والقوانين. يواجه العائدون تعقيدات في إثبات الملكيات العقارية، وحل نزاعات الأراضي، واستخراج الوثائق المدنية المفقودة، مما يزيد من عدم الاستقرار القانوني والاجتماعي.

تظل أولوية التطهير من الألغام ومخلفات الحرب عائقاً كبيراً أمام استئناف الحياة الطبيعية، خاصة في المناطق الريفية والزراعية، مما يضرب الأمن الغذائي للعائدين ويحرمهم من مصدر رزقهم.

بعد سنوات في مجتمعات الاغتراب، يعود السوريون ليجدوا أن النسيج الاجتماعي المحلي قد تغير، مما يولد أزمة هوية حادة وشعوراً بالانعزالية وعدم الانتماء.

الجانب النفسي هو أحد أثقل الفواتير غير المرئية. يعاني العائدون من صدمة العودة ومخاض الهوية الممزقة. صدمة المكان والذاكرة المشوهة، أو "صدمة الفقدان الجغرافي"، حيث تختلف المدن والبلدات عن الركام والملامح المتغيرة، مما يحفز اضطراب ما بعد الصدمة ويعمق مشاعر الحزن والاكتئاب.

يواجه الأطفال الذين ولدوا أو كبروا في الخارج صدمة ثقافية ولغوية هائلة، والانتقال إلى مدارس مدمرة وبيئة تفتقر للمقومات يسبب لهم قلقاً حاداً وتراجعاً دراسياً وصعوبة في الاندماج.

العودة ليست نهاية المطاف بل بداية لكفاح جديد. الانتقال من قلق اللجوء إلى قلق التأقلم والبقاء يضع العائلات تحت ضغط نفسي مستمر، في ظل غياب شبه تام لثقافة العلاج النفسي أو برامج الدعم النفسي والاجتماعي.

يبدو أن قدر السوريين هو الامتحان المستمر، سواء في اللجوء أو العودة. لم تكن العودة بالواقع الذي حلموا به. قد تكون عوامل الضغط في دول الجوار، من تصاعد التضخم وضيق فرص العيش، قد دفعت البعض للعودة، وليس بالضرورة تحسناً خارقاً في الوضع الداخلي. دفع اللاجئين للعودة دون تهيئة الأرضية الاقتصادية والخدمية واللوجستية يعني تحويل أزمة اللجوء إلى أزمة فقر وتهميش في الداخل.

الفاتورة المنسية لعودة السوريين باهظة. إذا استمر المجتمع الدولي في تجاهلها، قد تتحول هذه العودة إلى موجات جديدة من النزوح أو الهجرة غير الشرعية بحثاً عن حياة تحفظ الكرامة الإنسانية.

شارك الخبر: