نهاية دور قوات سوريا الديمقراطية «قسد» وبداية مرحلة جديدة في المشهد السوري


هذا الخبر بعنوان "نهاية مرحلة وبداية أخرى" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم د. سلمان ريا: ربما لم تعد المسألة اليوم تتوقف على ما إذا كانت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» قد حققت انتصاراً في جولة ما أو مُنيت بخسارة، بل تتعدى ذلك لتطرح تساؤلاً جوهرياً عما إذا كان الزمن الذي أفرزها كقوة عسكرية وجغرافية ذات ثقل سياسي مستقل قد بلغ خط النهاية. لقد انبثقت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» وسط ظروف استثنائية اتسمت بحرب مفتوحة، وانحسار لسلطة الدولة ضمن رقع واسعة، وصعود لتنظيم «داعش»، إلى جانب تقاطعات وتدخلات دولية وإقليمية معقدة. ومثل هذه الظروف تتيح لأي تشكيل محلي أن يراكم وزناً يفوق حجمه الطبيعي، نظراً لأن الجغرافيا والسلاح والموارد تصبح أوراق تفاوض سياسية، وهو تماماً ما حصل في الغالب.
لقد حازت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» طوال أعوام النزاع مقومات جعلت منها طرفاً لا يمكن تجاوزه، شملت قوة عسكرية، ومساحة جغرافية، وموارد اقتصادية، فضلاً عن دعم دولي. وبذلك تجاوزت مجرد كونها فاعلاً في القتال لتغدو ركيزة في معادلة التوازن السوري والإقليمي. غير أن النفوذ الذي ينشأ في بيئة استثنائية يخضع لاختبار مغاير عندما تبدأ تلك الظروف عينها بالانحسار. فحين تستعيد الدولة بسط سيادتها على الأراضي، وتعود الموارد تدريجياً إلى كنف الإطار الوطني، ويتحد القرار العسكري، تفقد القوة المحلية جزءاً محورياً من قدرتها على المساومة. وهنا ينتقل النقاش من عديد المقاتلين أو كمية العتاد إلى الشروط الحقيقية لصناعة التأثير.
من هذه الزاوية، لا يمكن اختزال ما يجري في مجرد عملية دمج أو إعادة ترتيب، بل هو عبور من نموذج استندت فيه القوة إلى الجغرافيا والسلاح والموارد، إلى نموذج ترتبط فيه القيمة السياسية بالمؤسسات، والتمثيل، والحقوق، والمشاركة. ولا يعني هذا بأي حال نهاية الأكراد، ولا محو قضيتهم، ولا حتى اختفاء التشكيلات والشخصيات التي برزت تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية «قسد». لكنه يدل بوضوح على أن النمط الذي ساد خلال سنوات الحرب بات يقترب من الطي.
لقد دأبت على وصف القيادات الكردية منذ انطلاق الأزمة بأنهم «الحصان الأسود» في ذلك السباق؛ قوة لا طاقة لأحد بتجاهلها، وقادرة على قلب موازين المنافسة واستنزاف الخصوم، لكنها تفتقر بالضرورة إلى الظروف المؤهلة لبلوغ خط النهاية. ولعل هذا التوصيف لامس الواقع بدقة. فقد غدا الأكراد رقماً صعباً في المعادلة السورية، بيد أن ذلك لم يفض إلى تسوية سياسية قطعية تكفل استدامة نموذجهم العسكري والجغرافي.
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين أمرين: زوال نموذج سياسي وعسكري، وبقاء مجتمع وحقوق وطموحات. فالأكراد وُجدوا قبل قوات سوريا الديمقراطية «قسد» وسيبقون بعدها، ومستقبلهم لا ينبغي أن يُقاس بمدى احتفاظهم بقوة عسكرية مستقلة، بل بقدرتهم على استثمار حصيلتهم من التجربة السياسية والاجتماعية في انتزاع حقوق راسخة داخل الدولة السورية. وفي المقابل، لا يجب أن يفضي نجاح الدولة في استرجاع سيادتها إلى طمس الخصوصية الثقافية أو السياسية لأي مكون؛ فالدولة الراسخة هي التي تصون تنوع مواطنيها من دون أن يشكل ذلك تهديداً لوحدتها.
وعليه، فإن الحقبة المقبلة تمثل اختباراً مزدوجاً للطرفين: هل تقوى الدولة على استرداد وحدة قرارها وسيادتها بمعزل عن الإقصاء؟ وهل يستطيع الأكراد التحول من منطق القوة المستندة إلى السلاح والجغرافيا إلى منطق السياسة والحقوق والمواطنة؟ متى تكلل مسعى الجانبين بالنجاح، فلن يعدو زوال نموذج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» أن يكون طياً لمرحلة فرضتها ظروف الحرب. أما في حال استمرار مخاوف الهواجس وانعدام الثقة، فقد لا يعني انتهاء تجربة معينة نهاية الأزمة، إذ قد تسعى الأزمة، كما يعلمنا التاريخ، نحو صياغة جديدة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة